الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الليبيون.. وحق العودة

قبل أن نتحدث عن عودة اليهود علينا أن نتحلى بالشجاعة ونجيب عن سؤال الهوية، من هو الليبي؟ وما هو المعيار الذي نحكم به على ليبية أي ليبي وانتمائه لهذه الأرض.

العرب فتحي بن عيسى [نُشر في 2017/07/07، العدد: 10684، ص(8)]

في جزيرة رودس اليونانية اجتمع ثلة ممن يعرفون بيهود ليبيا مع قياديين في الحركة الصهيونية ممن يتولون الآن مناصب قيادية داخل الكيان الإسرائيلي، إضافة إلى ثلاث شخصيات ليبية أحدهم جاء لينقل رسالة باسم حكومة نفت أن تكون أرسلته، والآخر رئيس هيئة مُقال، والشخصية الثالثة كاتبة تقيم في هولندا لطالما أثارت حول ما تكتب جدلا وثقت لنا وقائع الاجتماع بشكل مهني.

لن أتناول الموضوع من زاوية سياسية ولن أغوص في النوايا تنقيبا وتدقيقا، ولن أذهب بعيدا في التحليل والربط بين المكان والزمان ورسائل المنظمين، فيكفي أن تعرف أن جزيرة رودس عرفت تاريخيا باحتوائها لتمثال “أبولو رودس” أحد عجائب الدنيا السبع يوما ما والذي تم بيعه بعد أن دمره زلزال في العام 284 ق.م.

الزمان كان بمناسبة مرور 50 عاما على خروج اليهود من ليبيا وهو خروج تباين توصيفه بين الطرد والتهجير، وبين الهجرة والرحيل، وتبعا لكل توصيف هل تمت مصادرة أملاكهم أم باعوها وقبضوا الثمن؟ والتاريخ يكتبه كل طرف بما يخدم أهدافه، ومن يملك القوة فكلمته هي العليا، فمنطق القوة لا قوة المنطق هو الفيصل.

ما استوقفني في لقاء رودس هو تباين مواقفنا بناء على ما يحمله كل منا من فكرة، ومدى خضوعنا للأهواء تتقاذفنا ذات اليمين والشمال، ومدى الانفصام في شخصيتنا، وهنا لا أعمم فأنا أتحدث عن نفسي ومن يجمعني به ذات الرأي وزاوية النظر.

هل يحق لليهود العودة إلى ليبيا أم لا؟ هكذا صيغ السؤال ببساطة، والجواب الأبسط إما بنعم وإما بلا، وهذا تسطيح للقضية التي هي أكبر من مجرد سؤال يصاغ بطريقة مسطحة تتضمن الإجابة سلفا.

السؤال الذي نتهرب من مناقشته بعمق والذي نصر على تأجيله، ونبادر بتخوين كل من يصر على طرحه ومناقشته مشككين في نواياه، وهو سؤال يسبق وضع الدساتير وتمثل الإجابة عنه حجر الأساس في مفهوم التعايش والمواطنة والحقوق والواجبات، فمن دون الإجابة على هذا السؤال سيبقى الصراع يخبو حينا ويشتعل أحيانا.

نرفع جميعا على مختلف انتماءاتنا شعارا برّاقا صار باهتا من كثرة الاستعمال يقول “ليبيا للجميع وبالجميع”، ويوضح هذا الشعار شعارا آخر لا يقل لمعانا عنه “ليبيا لليبيين”، وهنا يبرز السؤال المنطقي من هم الجميع الذين لهم الحق في ليبيا وستُبنى بهم؟ وبصيغة أخرى من هم الليبيون؟

في أكثر من اجتماع تأسيسي حضرته، تارة لإنشاء حزب وأخرى لتكوين حراك وثالثة لتشكيل نقابة ورابعة لإطلاق مبادرة، تتصدر الدعوة لهذه الاجتماعات عبارة؛ نريد تشكيل جسم لا يقصي أحدا فليبيا للجميع ولنترك القضاء يفصل بين الخصوم ومن أدانه القضاء فقد أقصى نفسه.

كلام جميل وهدف نبيل، فتذهب متسلحا بالأمل “وأخيرا سنرى كيانا ما لا يقصي إلا من أقصاه القضاء”، ما إن تجلس في مكان الاجتماع ويصل النقاش لوضع قوائم المدعوين أو المستهدفين بالنشاط، حتى ينزاح الستار وتسمع عبارة “هذا فُكّنا منه دمه ثقيل”، و”ذاك يا أنا يا هو، زمان كان ليه موقف مش ولا بد”، و”أولئك بالله ريحونا منهم ما عندهمش طارقة” وسواها من عبارات أنا على يقين أنكم سمعتم مثلها، لتكتشف أن الجميع هم “مجموعتنا فقط”، “أنصارنا وأتباعنا وبس”.

عندما نتحدث عن مكوّنات الشعب الليبي، فماذا ومن نقصد؟ وعندما نرفع شعار الحقوق والمساواة بين الليبيين، فماذا نعني؟ وهل ينسجم منطق الحقوق والمساواة مع منطق الأغلبية والأكثرية؟ وهل الحق لا يكون حقا إلا إذا كان صاحبه من الأغلبية، فإن كان من أقلية فلا حق له. المنطق الذي يرفض مناقشة ملف الليبيين من ديانة أخرى كاليهود، هو نفس المنطق الذي يرفض فتح ملف الليبيين من بشرة أخرى كتاورغاء مثلا أو من قومية أخرى كالأمازيغ، إنه منطق المغالبة والأغلبية، وهو منطق القوة والغلبة، وهو منطق إن دافعنا عليه سيكون العرب أول ضحاياه.

قبل أن نتحدث عن عودة اليهود علينا أن نتحلى بالشجاعة ونجيب عن سؤال الهوية، من هو الليبي؟ وما هو المعيار الذي نحكم به على ليبية أي ليبي وانتمائه لهذه الأرض التي نعلم يقينا أنها لم ولا ولن تنبت بشرا، فجميعنا مهاجرون إليها، فعندما خُلق سيدنا آدم تم إنزاله إلى الأرض في بقعة منها تناسل وتكاثر أولاده وانتشروا في الأرض مهاجرين يبحثون عن لقمة عيشهم ومعاشهم، وعندما دب بينهم فيروس “أنا خير منهم”، “نحن الأفضل والأصل”، نشُب القتال وحل الدمار، فالتعايش السلمي لا تجد فيه مفاضلة عرقية وإنما على قدر اجتهادك يكون نصيبك. ثم يتفرع سؤال آخر، هل منح الحقوق وقفٌ على من ينتمي لنا فقط وتربطنا به قربى، وبالتالي فمن لا ينتمي لنا ديانة أو عرقا ولا يجمعنا به شيء فلا حق له لدينا وليشرب من البحر.

مفهوم المواطنة والمساواة في الحقوق يتناقض مع مفهوم الأغلبية والغلبة والمغالبة، وبالضرورة مفهوم المواطنة ودولة المؤسسات والقانون والمدنية الذي يرفض دعاوى المدن المنتصرة والقبيلة الأشرف والدم الأزرق، هو مفهوم في أبسط صوره يقول إن الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا مفاضلة بين أبيض وأسود، ولا تمايز بين الأعراق، إلا بالعمل الصالح النافع وما يقدّمه كل منهم لمجتمعه من أعمال، وهذا التمايز مهما علا لا يعني أن تنال حقا ليس لك ولا أن تُعفى من واجب بالضرورة أنت ملزم به.

أُقرُّ وقد أكون مخطئا، بأننا في ليبيا تائهون، ضحية موروث يرى في السؤال كفرا وتشكيكا، والفكر النقدي بهتانا مبينا، وفي التلقين تسليما وإيمانا، لهذا نتحاشى وضع معايير تضبط المصطلحات، ونتهرب من أي نقاش قد يفضي لإعادة النظر في مسلماتنا التي نعلم أنها سبب تخلفنا، إلا أن الكبرياء يجعلنا نتشبث بها اعتقادا منا أنها كل ما تبقى لنا في عالم متغيّر لا مكان فيه للكسالى.

سؤال هل يحق لليهود العودة ليبيا وهل لهم حقوق وجب أن يأخذوها؟ لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا؟ وإنما يعاد طرح السؤال، هل هم ليبيون أم لا؟ وهل يجب أن يكون الليبي مسلما بالضرورة؟ وهل الليبيون جميعا بغض النظر عن عددهم ومعتقدهم متساوون في الحقوق؟

وهل معيار نيل الحقوق المادية يكون وفقا لمقدرة المدعي أو المدعى عليهم على الإثبات وفقا لإجراءات تقاضي عادلة؟ أم هو منطق القوي والأكثر يحكم كما يريد.

إذا تمكّنا من الإجابة عن هذه الأسئلة ووصلنا فيها إلى عقد مجتمعي نابع من فكر يسود المجتمع ويؤمن به أفراده عن قناعة، عندها يمكن القول إننا خطونا الخطوة الأهم والأكبر نحو تعايش سلمي ونحو دولة المواطنة ونحو الإنسانية.

وستصبح أسئلة من قبيل هل يحق لفلان أو علان أو قوم ما أن يعودوا لليبيا أو مدينتهم، أو تُدستر لغتهم أو ثقافتهم نوعا من الهذيان وسنقابلها بالسخرية. كما سيصبح السؤال المقيت “من أي قبيلة أنت؟” كي تنال منصبا نوعا من العبث والجاهلية سنضحك عليه طويلا، وسيصبح تقاسم الثروة والمزايا والوظائف اعتمادا على المغالبة شيئا مستهجنا.

وإلى أن نصل إلى أجوبة الهوية ونعقد ذاك العقد في ما بيننا سنبقى في رحلة التيه إلى أن نقتنع بأن بالتمسك بحق العودة لقوة المنطق هو سفينة نوح التي ستأخذنا إلى شاطئ الأمان.

كاتب وصحافي ليبي

فتحي بن عيسى

:: مقالات أخرى لـ فتحي بن عيسى

فتحي بن عيسى

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر