الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

المحتجون عن الحج

المفارقة الحضارية أن البلدان الإسلامية العاملة على صناعة جاذبية دينية جديدة قصد توظيفها سياسيا هي التي تزايد اليوم على السعودية في موضوع الحج.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/08/02، العدد: 10710، ص(8)]

لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أن تحييد المقدسات والطقوس الدينية عن الصراعات الإقليمية في الوطن العربي بات اليوم واجبا أكيدا وضروريا حتى لا يتلبس الموقف السياسي والاستراتيجي بثياب القداسة، وحتى لا تتخفى المآرب والمصالح المحلية بالرؤى والمعتقدات الدينيّة.

فعندما يصبح منسك الحج- الركن الخامس في الإسلام- محلّ مزايدات إقليمية ودولية وورقة ضغط تستعملها بعض العواصم ضد السعودية لاستنزافها رمزيا ومعنويا وأخلاقيا، فهنا يكون أحد أطراف الصراع قد أدخل النزاع إلى درك لا أخلاق ولا مناقبية صلبه.

الدعوة القطرية الصريحة لإخراج الأماكن الدينية المقدسة (الحرمين الشريفين) والمنسك الخامس (الحج) من إشراف المملكة العربية السعودية وإفراد مسؤولية التنظيم والإعداد والتنسيق إلى هيكل إسلامي ليست بالدعوة الجديدة، فقد حرّضت إيران في 2015 على هذه المسلكية، ومن قبلها ليبيا في عهد معمر القذافي.

وفي كلّ مرة من المرات، كانت الدعوة أقرب للمناكفة السياسية والمزايدة الاستراتيجية على السعودية أكثر منها تأصيلا لمقاربة جديدة في تنظيم الحج، وفي كل مرة من المرات أيضا كانت تلك العواصم تسعى إلى تسجيل النقاط السياسية وتحسين رصيدها الاعتباري لدى الرأي العام العربي والإسلامي، ولم تكن تلتفت إلى الحج كمقاربة تنسيقية وتنظيمية وإدارية ولوجستية لأكثر من مليوني حاج يتحركون في زمان ومكان محددين، ويفرضون على المملكة العربية السعودية استنفارا وتجنّدا تامّيْن.

بمنطق الجغرافيا تقع البقاع المقدسة ضمن السيادة الوطنية للمملكة العربية السعودية، وبمنطق التاريخ لم تستخدم الرياض يوما حقوق الجغرافيا لاستهداف واجبات الدين ضد الأفراد على الأقل.

صحيح أن أفئدة مليار ونصف المليار مسلم تهوي إلى البقاع المقدسة وإلى الحرمين الشريفين، ولكنّ الأصحّ- الذي كنا شهودا عليه على الأقل- أنّ الرياض لم تطوّع الحجيج لخدمة مصالحها أو لضرب منافسيها ولم تجير منظومة خدمة الحاج للتضييق على الحجيج القادمين من بلدان وعواصم لا تتقاطع مع الرياض الرؤية والمقاربة السياسية.

ذلك أنّ مقـاربة “التعـدد الفقهي والتعـددية الإثنية واللسانية وفق وحدة المنسك” تمثل المسلكية المعتمدة إبان الحج، حتى وإن كـانت المذاهب الفقهية والطرق الدينية الموجـودة خلال أداء المنسـك الخـامس تختلف بشكل ثانوي أو جوهري مع المذهب الرسمي للمملكة العربية السعودية.

المفارقة، هنا أن معظم الذين يتهمون الرياض بتسييس الحج داعين بذلك إلى تدويله هم الذين يسيّسونه عبر استخدامه كورقة ضغط ومزايدة عند أي اختلاف سياسي مع السعودية.

فمقولة “عدم تسييس الحجّ” تنسحب هنا على فرضيتي الاستخدام والتطويع من جهة، والتشويه وبالتالي الحرب الإعلامية والسياسية من جهة ثانية.

جزء من الرأسمال الاعتباري والرمزي للمملكة العربية السعودية لدى عموم المسلمين لا يعود فقط إلى احتضان الحرمين الشريفين وتنظيمها لمناسك الحج والعمرة، بل في سعيها الدائم إلى تطوير وتسهيل منظومة الحج ماديا ولوجستيا.

أن تُقْدمَ الدوحة اليوم على رمي كرة النار المتمثلة في اتهام السعودية بمنع الحجيج القطريين من أداء منسك الحج، فهذا انخراط قطري في دفع الأزمة إلى نقطة اللاعودة وحرق لكافة قوارب الإياب عن مسار التنطع والعزة بالإثم.

تؤكّد المصادر السعودية أنّ الرياض لم تمنع حجيج ليبيا في عهد الحصار الأميركي من القدوم إلى البقاع المقدسة عبر تونس أو القاهرة أو مالطا، كما تشير ذات المصادر إلى أنّ حجيج العراق- أيا كانت مذاهبهم- كانوا يتقاطرون على البقاع المقدسة من دمشق أو الأردن.

بل وبلغ بالرياض إلى الحيلولة دون إلقاء المارينز القبض على القيادي العسكري في حزب الله عماد مغنية خلال تأديته فريضة الحج واصلا من الخرطوم، على الرغم من إحاطة المخابرات السعودية التامة بهوية مغنية الحقيقية.

المفارقة الحضارية أن البلدان الإسلامية العاملة على صناعة جاذبية دينية جديدة قصد توظيفها سياسيا هي التي تزايد اليوم على السعودية في موضوع الحج، فإيران تعمد منذ عقود على صناعة روحانية شيعية في إيران والعراق وسوريا ولبنان، سواء عبر تكثيف حضور المزارات والحسينيات، أو بناء سرديات جديدة على غرار السيدة زينب في ريف دمشق، وهي مقدّمات وجدانية لمآرب سياسية إقليمية.

وتركيا تعمل منذ عقدين على الأقل على إحياء التراث العثماني معمارا وسياحة وفنا دراميا قصد استدرار احتضان المؤمنين بالخلافة فكرا وممارسة.

في حين أنّ قطر- في ظلّ خواء تاريخي- انبرت منافحة عن الإخوان المسلمين باحثة بذلك عن مشروع سياسي لها مترابط ومتقاطع شديد التقاطع مع الخلافة العثمانيّة.

الباحثون اليوم عن رمزية دينية مضافة وعن جاذبية روحانية تنجذب معها الأفئدة وتستلب معها العقول، هم الذين يزايدون عن البقاع المقدسة وعن الحج، وهم الذين يستكثرون على الرياض شرف خدمة ضيوف الرحمن معتمرين وحجاجا.

على المملكة العربية السعودية أن تستنفر حق الاستنفار، فالآملون في نجاح موسم الحج كثيرون، والتائقون والمراهنون على فشله عديدون في الخليج وخارجه.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر