السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

النهضة والشاهد وسيناريو العودة إلى الوزير الأول

من يرفع الفيتو الانتخابي في وجه مرشح ينتمي إلى حزب سياسي آخر، هو في المحصلة يسعى إلى إعادة تأثيث المشهد السياسي والاقتراعي وفق ما يريده ويرتضيه.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/08/09، العدد: 10717، ص(9)]

تؤكد حركة النهضة من خلال تصريحات رئيسها راشد الغنوشي أنها لا تزال متمسكة بمقولة “التأثير في الحكم” وليس بالضرورة في الحكومة، حيث تثبت مرة جديدة بأن جزءا من دواليب اللعبة السياسية في البلاد يدور في مكتب الشيخ بمقر الحركة.

فالنهضة التي تصر دائما على أن تقدم نفسها في جلباب الإيثار السياسي، سرعان ما كذب أداؤها خطابها وكشفت استراتيجية الشيخ هوان التكتيك الذي سرعان ما تتساقط أوراقه أمام إكراهات الواقع السياسي.

اشتراط الغنوشي على رئيس الحكومة يوسف الشاهد عدم الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة 2019، يشير إلى رغبة دفينة صلب حركة النهضة في السيطرة على تفاصيل المشهد السياسي في البلاد.

ذلك أن الذي يرفع الفيتو الانتخابي في وجه مرشح ينتمي إلى حزب سياسي آخر، هو في المحصلة يسعى إلى إعادة تأثيث المشهد السياسي وفق ما يريده ويرتضيه. ثلاث مفارقات كبرى جاء بها تصريح الغنوشي لقناة تونسية خاصة ومن بعده بيان مجلس شورى الحركة الذي انعقد السبت الماضي.

المفارقة الأولى كامنة في التباين بين دعوة الغنوشي إلى مصالحة سياسية وقانونية لا تصادر الحقوق المدنية لرجالات النظام السابق، وبين دعوته إلى حرمان يوسف الشاهد من حق أساسي سياسي مكفول من التشريعات القانونية المحلية والدولية.

المفارقة الثانية متمثلة في التناقض الصارخ الذي تعبر عنه الحركة عبر دعوة كافة الأطراف السياسية إلى الانكباب على إنجاح المسار الحكومي والاقتصادي دون تركيز على الاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية القادمة، في حين أنها تكشف للجميع رغبة صارخة في تنظيم الفضاء السياسي للانتخابات القادمة عبر عزل وجوه وتقديم أخرى.

المفارقة الثالثة متجسدة في المخاتلة الخطابية التي تبديها النهضة بادعاء بحرصها على رفع الاحتقان السياسي في البلاد، في حين أنها تزيد المشهد السياسي الحالي تعقيدا ومكاسرة وتضيف لهوّة الأحزاب هوّة أخرى قوامها أهلية المتسابقين لاستحقاق 2019.

خطاب الغنوشي الذي أقره مجلس شورى النهضة شكلا ومضمونا، يمثل واحدا من أخطر الخطابات في زمن الثورة، لا فقط لأنه انقلاب موصوف على بروتوكول قرطاج، ولكن لأن النهضة باتت تتدخل في طبيعة الحكومة برمتها. ذلك أنها اليوم تفرض من بوابة الاشتراط، تحويل يوسف الشاهد من رئيس وزراء سياسي وحزبي لحكومة سياسية، إلى رئيس وزراء تكنوقراط لحكومة سياسية.

ولئن عرفت تونس أسوأ الفترات وأصعبها مع التكنوقراط شكلا والمتحزبين مضمونا، ومع الكفاءات (على غرار المهدي جمعة) الذين كادوا أن يجيروا مرحلة “الحياد الإداري” لمآرب سياسية شخصية، فإن تونس لن تشهد الأحسن والأفضل بتحويل السياسيين إلى تكنوقراط.

أبرقت حركة النهضة إلى الشاهد مجموعة من الرسائل التي نرجّح أنه نجح في تفكيك رموزها، من أبرزها أنها تقايض الشاهد شرعية وحزاما سياسيا واسعا في 2017 و2018، مقابل خروج هادئ من المشهد السياسي في 2019. هكذا تحول النهضة رؤساء الوزراء إلى تكنوقراط باردين، من خلال عزلهم عن الفعل السياسي وحصر أدوارهم في تسوية الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وإفساح المجال أمام الفاعلين السياسيين الحقيقيين المالكين للحكم والحكومة.

أليست هذه المسلكية – أي الاغتيال الرمزي للرجل الثاني في الدولة- مسلكية الرئيسين الأسبقين زين العابدين بن علي والحبيب بورقيبة مع رؤساء الحكومات حيث يصبح الوزير الأول شخصية بلا رائحة ولا لون ولا طعم لها، تتكلم بلغة الأرقام والنسب وتعوض ساحات النضال ودخان المعارك السياسية بمقاعد وافرة ومكاتب مترفّهة.

ليتمركز الفعل السياسي في يد ساكن قرطاج ولتطبخ كافة القرارات وراء بواباته. هنا تستبطن النهضة لا فقط النظام الرئاسي في ظل نظام هجين، وإنما وهو الأخطر تهضم مسلكيات النظام الرئاسوي في تهميش رئيس الوزراء وتصييره من الحالة السياسية إلى الحالة التكنوقراطيّة.

تعرف حركة النهضة أن الشعبية التي اكتسبها يوسف الشاهد من خلال حربه على الفساد مثلت له رصيدا انتخابيا ورمزيا قد يجعله مسنودا جماهيريا ما قد يمنحه أجنحة إقلاع عن مربع التحالف الحاكم، وقد يصرف هذا الرصيد على شكل أصوات اقتراعية في الاستحقاق الرئاسي القادم.

هنا النهضة قد تكون واحدة من إحدى الفرضيتين، إما أنها تريد تجريب كعكة الرئاسة تحت ضغط القواعد الذين يريدون حكما يعكس الأكثريات الانتخابيّة، وإما أن خروج الشاهد من سباق الرئاسة يؤمن في سلّة أحد حلفائها في النداء، الابن أو الأب.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر