الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

حين يكون صديقك كذابا!

الأصدقاء الكذابون، لا مناص منهم للتخلص من ضغوط الحياة وضجرها، إنهم يدخلون السرور إلى أنفسنا، لكن إياك أن تنتظر قدومهم إلى المطار كما فعلت!

العرب صباح ناهي [نُشر في 2017/08/10، العدد: 10718، ص(24)]

المواهب أنواع وأشكال وفنون، ولكل زمان شجونه وفنونه، حتى اصطبغت بعض الأزمان بالشخصيات التي عاشت فيها، فالصعلكة رغم أنها قديمة قدم التاريخ لكنها طغت في مرحلة الستينات، وزمن الشقاوات والفتوات كان قرين عالم ما بعد الحرب الثانية، وهذه الظواهر قطعا لا تأتي من فراغ ولا تنمو إلا في بيئات تُهيئ وتمهد لبروز تلك الظواهر، والمجتمعات تُبتلى بين حين وآخر، بالعديد من المظاهر اللافتة في التاريخ، والبلوى درجات وأنواع، على شكل ملل الناس ونحلهم.

وقد امتلأت كتب التاريخ بحكايات الشطار والعيّارين، لكنها لم تفرد فصولا عن الأصدقاء الكذابين ممن ينطقون ويتنفسون وينفثون كذبا.

كان أشهر كذابي بغداد “أبوعرب” في مقهاه صوب الكرخ، الذي اشتهر بتلقف الناس لنوادره، حيث تسري حكاياته على عموم بغداد، وتتداولها أجيال بعد أجيال، كان كذابا نوعيا مضحكا، يتنفس الناس في كذبه الصعداء بل أحيانا يقعون على قفاهم من الضحك، لكون أبوعرب يبتدع حكايات تصل إلى الصعيد الدولي، ومن الطبيعي أن يكون هو شاهدا عليها، ويعتمد المفارقة والطرفة والغرابة حتى صار بطلا شعبيا.

إن الدافع الرئيسي للكذب هو التخلص من المواقف الواقعية الصعبة أو هو هروب مزمن عن الواقع بكل قسوته وصعوبات الحياة وجديتها، وهو أيضا موهبة لدى بعض الناس الذين يمعنون فيه، بل ويحترفونه، كما يفعل أحد الأصدقاء الذي لا يمكن إلا أن تقبله كذابا محترفا مذ عرفته، يتخلص من أصعب المواقف الكاذبة بكذبة أخرى، لكنك تغضب أحيانا وتستشيط حين يتركك في المطار في برد قارس، ويقول لك بأنه في الطريق إليك، وأنت تنتظر بعد ساعات طوال من رحلة مضنية أن يأتيك صديقك المنقذ من إضراب أصحاب تاكسي المطار، دون جدوى، والمضحك المبكي، أنه في الوقت الذي تصدق أنه في الطريق، وتتصل صدفة بآخر معه في العمل ويقسم لك أنه مازال على مكتبه لم يتحرك!

تقول العرب “إذا كنت كذوبا فكن ذكورا” وصاحبي هذا بدأ يفقد بريقه في صنع المقالب. ويظهر بأنه رجل يؤمن بسريان المعلومات وحرية الرأي، وأضحى لزاماً عليه أن يقول ما يعرف، حتى أن بعض الناس ممن لا يعرفونه جيدا يبنون مواقف على المعلومات التي أسرهم بها!

إنها مخيلة خصبة، تضحكنا كثيرا لكنها مضرة كثيرا للذين لا يعرفون صاحبها ويصدقون ما قال.

الأصدقاء الكذابون، لا مناص منهم للتخلص من ضغوط الحياة وضجرها، إنهم يدخلون السرور إلى أنفسنا، لكن إياك أن تنتظر قدومهم إلى المطار كما فعلت!

صباح ناهي

:: مقالات أخرى لـ صباح ناهي

صباح ناهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر