الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

وشم

ومازالت بعض الشعوب حتى يومنا هذا تجد في الوشم طقوسها المتوارثة التي لا تقبل الجدل.. فهو من جانب آخر مازال يتمتع بالقدسية في بعض بقاع العالم.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/08/16، العدد: 10724، ص(21)]

كثيرون "يرتكبونها".. دون أن يدركوا أنها تؤرخ لحظة قد تموت قريبا أو بعد حين.. لتبقى تذكّر “مرتكبها” بتلك الذكرى مدى الحياة.. فكيف لنا أن نشِم لحظة من حياتنا وأعمارنا وهي ملأى بالمتغيرات والمشاعر المتقلبة؟.. وكيف لنا أن نصر على تغيير أجسادنا مدى الحياة بينما تشرق شمسنا كل صباح لتعلن بدء يوم جديد؟.. أليس من الممكن والمتوقع جدا أن نصحو ذات يوم ونحن نادمون على فعلتنا وقد تغيرت مفاهيمنا أو نظرتنا للحياة؟..

أقول مرتكبها لا لكي أشير بالضرورة إلى أنه فعل خاطئ.. أو لأنني لست مقتنعة به.. لكنني أجدها محض لحظة متغيرة.. فهي لا أكثر من قرار يؤرخ شيئا من معتقد أو انتماء أو حب للجمال أو سعي وراء تقليعة أو رغبة عارمة في تقليد شيء أو التميز بشيء.. ومما لا شك فيه أنها وجهات نظر شخصية.. فثمة من يصر أن يشم نفسه العمر كله بعلامة فارقة أو باسم شخص بعينه أو صورة أو رمز لمبدأ أو قناعة ما.. دون طول تأمل أو تفكير في القادم من الأيام وما قد تأتي به..

وهو ليس بالأمر الجديد ولا هو ضرب من ضروب التقليعات الحداثية.. فمنذ القرن الخامس قبل الميلاد والناس تقوم بوشم أجسادها لأسباب تعددت وطال معها الشرح.. فقد كان ومازال للجمال قيمه ومفاهيمه التي تختلف باختلاف الثقافة والبيئة والمكان والزمان.. وعلى الرغم من وجود بعض المحرّمات التي تغلف موضوع الوشم إلا أن هذا الفن الطاعن في القدم مازال حاظيا بشعبية عالية في الكثير من دول العالم.. ومازالت بعض الشعوب حتى يومنا هذا تجد في الوشم طقوسها المتوارثة التي لا تقبل الجدل.. فهو من جانب آخر مازال يتمتع بالقدسية في بعض بقاع العالم.. وما تزال بعض الشعوب تعتبره تعبيرا صارخا عن هويتها القومية أو العرقية..

وهنا تحيلني ذاكرتي إلى سيدة كانت تقطن في إحدى المناطق الشعبية.. وكانت امرأة جميلة “متغاوية”.. وشاءت وهي في شبابها الأول أن تزيّن وجهها وحاجبيها ورقبتها ومعصميها وقدميها بأجمل الوشم الذي كان سائدا في ذلك الزمن.. فبالغت به و”تغاوت” حتى غدت الأكثر فتنة وصارت بفضل جمالها ووشمها الأكثر تميّزا بين النساء.. وإذ تزوجت وأنجبت وكبر الأولاد وتقدم بها العمر.. وتغيرت مفاهيم المجتمع ونظرته للأشياء.. قررت أن تحج إلى بيت الله الحرام مع زوجها.. وعادت إلى بيتها وهي حاجة سالمة غانمة.. ويشاء الحظ أن توشوشها إحدى الجارات بأن الوشم حرام!.. فيجن جنونها.. وتفعل ما تفعل لتمحو عن جسدها آثار غنجها ودلالها الأول خوفا من عذاب الله!.. حتى كادت أن تشوّه وجهها ندما وحسرة!.. هي قصة حزينة طبعا ولكنها غالبا ما تحدث وعلى وجه الخصوص حينما تقنعنا معتقداتنا بأن العالم ثابت باق على حاله لا تغيير فيه..

وتجدر الإشارة إلى أن عملية إزالة الوشم شهدت تغييرات كبيرة مع انتشار شعبيته في العالم.. وتم استبدال الطرق البدائية بطرق حديثة جدا.. بالليزر وباستخدام المستحضرات الطبيبة.. بيد أنه من المضحك المبكي حقا أن نعرف أن الألم المصاحب لعملية إزالة الوشم ونفقاته لهما أكثر بكثير من ألم ونفقات الوشم نفسه!.. فهلا فكرنا قليلا قبل أن نعمد إلى تغيير أجسادنا؟..

شاعرة عراقية

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر