الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

استدعاء الصدر إلى العروبة

على الجميع في العراق النظر في مآلات الهويات السياسية المفترسة التي تغتال الأوطان ولإحياء الطائفيات.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/08/16، العدد: 10724، ص(8)]

أن يزور القيادي العراقي الشيعي مقتدى الصدر الرياض ومن بعدها أبوظبي بدعوات رسمية من القيادتين السعودية والإماراتية فهذا دليل على أنّ العاصمتين بدأتا فعليا في الانخراط ضمن الميدان الشيعي والاقتراب أكثر من تفاصيل البيت الشيعي سواء في العراق أو في مجمل المشرق العربي.

هناك قناعة لدى الرياض وأبوظبي بأنّ ترك المساحة السياسية شاغرة لإيران سيزيد من توسّع الطائفية في الشرق الأوسط، وبالتالي المزيد من خلق جيوب ميليشياويّة وحدائق خلفيّة داعمة لملالي طهران.

أفرزت الاستقالة الرسمية العربية من الشأن العربي، لا سيما في لبنان أو في سوريا أو العراق، فراغا كبيرا استفادت منه إيران عبر تحويل المذهبية الدينية إلى مذهبيات وطائفيات سياسية ومن خلال توظيف تحويل المشهد الشيعي من فضاء التعددية الدينية والإثنية والمذهبية الفكرية إلى حصان طروادة تدكّ من خلاله طهران العواصم وتحول الدول من لاعبين إقليميين إلى ملاعب إقليمية.

لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أن الاستفاقة العربيّة في التعامل مع الملفات العربية وعلى رأسها العراق، كانت جد متأخرة وأنّها تدخل اليوم السباق تلاحق من سبقها من لاعبين طائفيين أتراكا وإيرانيين، ولاعبين دوليين روسا وأميركان ولاعبين مستوطنين إسرائيليين.

تدرك السعودية ومعها الإمارات أن الامتداد الإيراني بلغ العمق الاستراتيجي العربي، أي أدغال أفريقيا حيث الجغرافيا المنسية من الفاعل العربي بعد عقود من الاحتواء والانتشار هناك بفضل التصوّرات الاستراتيجية للزعيم جمال عبدالناصر والزعيم الجزائري هواري بومدين وغيرهما.

وكما أنّه من باب المفارقة في العلاقات الدوليّة والنكوص الاستراتيجي التزام سياسة الاحتجاج والصراخ، فإنّ مقتضيات الراهن السياسي الإقليمي تفرض اجتراح مشاريع تنتشل المواطنة من الطائفية المقيتة وتنقذ الوطن من مصير الغنيمة المذهبيّة.

هنا من المفترض على الدول العربية أن تؤصل لمشاريع إصلاحية وتنموية وحضارية وسياسية فوق طائفية دستورية وعابرة لكافة المذاهب والإثنيات.

استقبال مقتدى الصدر الشخصية الشيعية العراقية المؤثرة في مجالها الديني والسياسي خطوة مهمة، على أن لا تكون خطوة نحو احتواء الطائفيين من المد الطائفي الإيراني، وبالتالي الانخراط في التصور المذهبي لبعض الأحزاب الشيعية التي قد تعارض طهران في مقولة ولاية الفقيه، ولكنها لا تختلف معها في المذهبية السياسية.

وإنما على الخطوة أن تكون، ويبدو أنها كذلك بمقتضى المؤشرات الواردة من الرياض وأبوظبي، نحو تشجيع كافة التيارات السياسية العراقية ومن بينها التيار الصدري على ولوج عقد اجتماعي وسياسي عراقي جديد يجنب العراق ويلات الطائفية.

الفكرة الأساسية أن ينخرط الصدر في مقولة المواطنة العراقية ضمن الوطن والأمن العربيين، لا أن تجد التصورات والاستراتيجيات السياسية الصدرية المنضوية صلب الطائفية السند العربي.

لذا فلا يجب أن يكون السجال منعقدا حيال الأقل خطرا وسوءا بين بارونات المشهد الشيعي في العراق، أي بين مقتدى الصدر وعمّار الحكيم ونوري المالكي وحيدر العبادي فجلهم ينتمون إلى مدرسة السيستاني، ولكن على السجال أن يكون منصبا حول الأكثر قدرة وأهلية للولوج صلب مشروع المواطنة الشاملة والمصالحة الكاملة لإنقاذ العراق وانتشال المشرق العربي من لوثة الطائفيّة.

مقولة المظلومية السياسية للتيارات الشيعية انتهى مفعولها وفقدت صلاحيتها، كما أنّ فلسفة التحوّل من غالبية اجتماعية ممحوقة إلى أكثرية تنفيذية وتشريعية ظهر بالكاشف هوانها في بناء دولة المؤسسات ومأسسة الدولة، وعلى الجميع في العراق النظر في مآلات الهويات السياسية المفترسة التي تغتال الأوطان ولإحياء الطائفيات.

جوهر الدعوات العربية للصدر أن الفاعل الرسمي العربي لن يقبل بمخرجات نظام سياسي يضرب في الصميم الوحدة القطرية عبر تشجيع الإثنيات والطوائف على التحول من مرحلة الركون والمراكنة إلى التمرّد والانفصال، ولن يرضى أيضا بكانتونات طائفية توظفّها إيران في حروب الوكالة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

الدولة الشيعية في الجنوب لن تتحوّل إلى دولة حقيقية (مثلها مثل كردستان العراق وجنوب السودان)، كما تشييع الدولة العراقية لن يمر أيضا فالدولة التي بنيت من أجل المواطنة الجامعة منذ 5 آلاف سنة لن تسقط بمقتضى الهويات الثاوية أو الثانوية، يبقى الحل الوحيد في عراق فوق المذاهب والأعراق.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر