الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الأمثال الشعبية من يكتبها؟

لكل أمة أمثالها المبثوثة في حاراتها وأزقتها وتلاوينها البيئية، في الغالب تستل من روح المجتمع وسلوكه العفوي البسيط الاعتيادي، وهي أيضا معبّرة عن كلام الناس.

العرب صباح ناهي [نُشر في 2017/08/17، العدد: 10725، ص(24)]

تضرب ولا تقاس تلك الأمثال التي يروّجها الناس فيما بينهم وكأنها مسلّمات خلص إليها هذا المجتمع أو ذاك. والأمثال خلاصة خبرة الشعوب وعنوان عريض لطرق تفكيرها. قد تبدو بسيطة عابرة، لكنها ذات معنى. ولكثرة ترددها تصبح قواعد أخلاقية للمجتمعات، وهي في محصلتها تعابير شاعت على ألسنتها. القصد من تكرارها تثبيت المعنى وتدعيم القول.

ولكل أمة أمثالها المبثوثة في حاراتها وأزقتها وتلاوينها البيئية، في الغالب تستل من روح المجتمع وسلوكه العفوي البسيط الاعتيادي، وهي أيضا معبّرة عن كلام الناس ولهجتهم الدارجة وتقاليدهم التلقائية التي تخرج بصورة أحكام ومعايير أخلاقية، كلّ حسب روحيته وقدرته على صياغة تاريخه الاجتماعي العفوي والمتدفق. تأتي كالماء الزلال على ألسنة بعض الشعوب الحية، بعضها له حكايات معلومة في التاريخ العربي من بينها “جوّع كلبك يتبعك” قالها ملك حمير، “وإياك أعني واسمعي يا جارة” على لسان سهل الفزاري أو “مواعيد عرقوب” تعود لأعرابي من يثرب.

لكن الأمثال تطورت بعدما قطعت المجتمعات أشواطا وتنوعت بيئاتها، فخفة دم المصريين ومرحهم وتلاعبهم بالمفردات أنتجت أمثلة تخطت ثلاثة آلاف مثل شعبي، جمعها في كتاب العلامة أحمد تيمور باشا وهي بمثابة كنوز الحكمة الشعبية لشاربي ماء النيل في وقت تميّزت أمثال الثقافة الشعبية العراقية بالجدية والغرابة معا إضافة إلى تعدد المعاني، فقد جمع الشيخ جلال الحنفي، وكيل جامع الخلفاء ببغداد الأسبق، في كتابه جمهرة الأمثال البغدادية، باقة شاملة من الأمثال المتداولة على ألسنة أهالي بغداد على مرّ العصور تفصح في الكثير من معانيها عن الحالة الاجتماعية للمجتمع البغدادي وتظهر حكايات أخرجت من قاع المدينة وحاراتها، وتنوع سكانها.

فصياغة الأمثلة سهل ممتنع من الصعب تحديد قائلها وأحيانا تروى الحكاية دون بعدها المكاني أو الزماني، وهذا الشائع، لكنها تدلّل على قيمة البيئة التي أخرجتها.

وقد تتشابه الأمثلة الشعبية في معانيها وتختلف في صياغتها وألفاظها، إما لتكرار الحوادث وتشابهها وإما لانتقالها بتصرف ألسنة الناس، باستخدام اللهجات الدارجة لديهم مع الحفاظ على المعنى، فحين يقول المصريون “أربط الحمار جنب رفيقه إن ما تعلم من شهيقه يتعلم من نهيقه” في معنى “وكلقرين بالمُقارن يَقتِدي” هو بنفس المعنى الشامي “من عاشر السعيد يسعد ومن عاشر المتلوم يتلم” وهو المثل العراقي “الطيور على أشكالها تقع”، وحين يورد المصريون “ناس يأكلوا البلح وناس يترموا بنواه” هو بذات المعنى العراقي “الخير لبوخضير والزبل للخانجية”، وحادث احتراق الحمام المصري المخصص للنساء أنتج عبر “اللي اختشوا ماتوا”، في حين حريق المحلة البغدادية أنتج مثل “عرب وين طمبور وين”، في وقت يتّعظ فيه الحجازيون من الحريق بمثل “الله يكفينا شر الحريق والزعيق وقاطع الطريق”.

لا تصاغ الأمثال أو تروى إلا لقيمة دلالتها والمفارقة في معناها، وهي “لا تجّير” إلا للموروث الشعبي دون سواه.

صباح ناهي

:: مقالات أخرى لـ صباح ناهي

صباح ناهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر