الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

زمن الأسطورة

الشعر العربي الذي تنبه متأخرا للقيمة الرمزية والدرامية للأسطورة تناسى أن الأسطورة كانت حاضرة في تاريخ الشعر العربي القديم وهناك الكثير من النماذج الذي تتحدث عنها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/08/22، العدد: 10730، ص(15)]

القيمة الجمالية الجديدة التي اكتسبت من خلالها رواية أميركا اللاتينية أهميتها عالميا نبعت من التزاوج الذي حققته بين الواقعي والأسطوري في العالم السردي للرواية. مصطلح الواقعية السحرية الذي أضافته للمنجز الروائي لم يكن الأسطوري أو السحري فيه قيمة مضافة ابتدعها الروائيون اللاتينيون، لأنها كانت جزءا من الواقع المعيش، استطاع هؤلاء الروائيون اكتشافها وتمثلها بصورة مركبة ومثيرة.

قبل الرواية اللاتينية كان الشعر الحديث سباقا إلى استعادة الأسطورة وتوظيفها، وكان الشاعر إليوت في قصيدته “الأرض الخراب” أول من قاد المخيلة الشعرية لتروم أرض القصيدة الجديدة. لكن قبل هذا وبعده حاول دارسون ونقاد في طليعتهم نورثروب فراي الحفر عميقا في تاريخ علاقة الشعر بالأسطورة. علم النفس التحليلي بنسخته اليونغية هو الآخر جهد في اقتفاء أثر هذه العلاقة عبر مصطلح اللاوعي الجمعي.

العلاقة الاستعارية القائمة بين لغة الشعر ولغة الأسطورة ودور المخيلة الشعرية شكلت أهم ملامح هذه العلاقة على المستوى التاريخي والجمالي. هذه القرابة هي التي استدعت من الشعر العودة إلى منابعه الأولى لاستثمار المخزون الرمزي للأسطورة وقدرتها على تعميق وتوسيع حدود المخيلة الشعرية جماليا، وما تولده من شعور بالدهشة، ساهم إلى حد كبير في تقديم رؤية درامية مركبة للواقع.

لقد ساهمت دوافع متعددة في هذه العودة، كان أهمها الرغبة في التحرر من سلطة العقل الصارمة وعلاقات الواقع المادية لعصر الحداثة بالعودة إلى فطرة الإنسان وعفويته. علم النفس التحليلي عند كوستاف يونغ شكل هو الآخر محاولة لإعادة التوازن النفسي في العلاقة بين الوعي واللاوعي الذي تشكل الأساطير إلى جانب الأحلام جانبا أساسيا منه.

بعد هذه المحاولات العلمية والجمالية لاستعادة معاني الأسطورة الرمزية والدلالية، ودورها في الحياة النفسية للإنسان، ما زال الجدل يدور حول مدى الحاجة إليها وقدرتها على الحضور والاستمرار في حياتنا المعاصرة كحاجة نفسية وروحية وجمالية، بعد التطور الكبير للعلوم وسيطرة الإنسان على الطبيعة.

علم النفس التحليلي والأدب والفنون ما زالت الأسطورة تشكل لها فضاء ثريا بالرموز والاستعارات، بل إن السينما تحاول أن تجعل من الأسطورة كما هي في معناها عالما كليا يحتشد بالاستعارات وتتوحد فيه كل الأشياء حتى أصبح يمثل عالما كليا مكتفيا بذاته.

الشعر العربي الذي تنبه متأخرا للقيمة الرمزية والدرامية للأسطورة تناسى أن الأسطورة كانت حاضرة في تاريخ الشعر العربي القديم وهناك الكثير من النماذج الذي تتحدث عنها وبالتالي لم يكن يحتاج إلى قصيدة “الأرض الخراب” لكي ينتبه للأهمية الجمالية والرمزية الخاصة للأسطورة وما يتولد عنها من رؤية درامية مركبة للحياة والعالم.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر