الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

شعر وأزياء شعبية

كم تمنيت أن يحذو حذونا الشعراء.. فيرتدي الشاعر العراقي في المناسبات زيّا سومريا مثلا أو زيا شعبيا عراقيا يعكس هويته وانتماءه..

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/08/23، العدد: 10731، ص(21)]

حدثتني الغالية الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة ذات مرة قائلة “الشعر مثل طبق من الحلوى اللذيذة.. لا يمكن لنا أن نقدمه في صحن عادي.. بل لا بد أن يُقدّم في صحن أنيق جميل.. وليس مهمّا أن يكون باذخا أو مرصعا بالجواهر.. لكنه يجب في النهاية أن يكون لائقا بما يُـقدَّم به..”.

كان ذلك تعليقا على إعجابي بما ترتديه من ملابس تراثية جميلة طالما أثارت انتباهي وهي تقدّم أماسيها الشعرية.. وقد مرت بخاطري تلك العبارة إبان مشاركتي في مهرجان الرمثا الشعري السادس عشر الذي أقيم في الاردن مؤخراً(من 3 إلى 8 من شهر آباغسطس الجاري).. وقد أثار انتباه الجميع اصرارنا نحن الشاعرات على ارتداء هوياتنا الوطنية في الأماسي الشعرية..

فكانت الشاعرة فوزية لرادي من الجزائر قد أبدعت في ارتداء زي مختلف عن كل يوم قراءة.. فيوم لقسنطينة ويوم للجنوب ويوم للأمازيغ ويوم للقبائل ويوم للعاصمة.. إلى آخره.. وكانت لنا حصة من الشرح التأريخي، قبل أو بعد القراءة الشعرية، عن طبيعة الثوب وخامة قماشه والنقش الذي عليه ومعناه وما يرمز له.. فكانت تلك محاضرة ثقافية يومية على هامش المهرجان الشعري تغنينا وتنعش حواسنا وفضولنا..

وكانت الشاعرة روضة الحاج من السودان بسحنتها السمراء الجميلة المميزة تلف جسدها الممشوق بذلك القماش الزاهي الذي يتراوح طوله بين 4 إلى 5 أمتار وهو الزي القومي السوداني الذي يميز المرأة السودانية عن سواها.. ويسمى “التوب” باللفظ السوداني الدارج.. وهو جزء من التراث الذي يعبّر عن الهوية والثقافة السودانية..

أما الشاعرة السورية ابتسام الصمادي فكانت قد سبقتنا إلى الأمر بسنوات.. اذ كانت تصرّ دائماً على ارتداء العباءات والجلاليب السورية التراثية.. فكانت في كل مرة تعتلي بها منبر الشعر تضفي حضورا خاصا يسبق حضور القصيد.. ولأنني من العراق.. فقد كنت أرمز لعراقيتي بارتدائي الصاية البغدادية تارة وقماش اليشماغ تارة وملابس تراثية أخرى كنت قد خطتها وطرزتها بنفسي ونقشت عليها حروفا من قصائد تعكس هوية بلادي..

وقد أضفت لها لمسة من حداثة لا تبعدني عن الهندام العصري.. ولا أنسى أن أذكر أن الرجل الوحيد الذي حذى حذو الشاعرات في الأزياء الشعبية كان الشاعر البحريني إبراهيم بوهندي رئيس أسرة الأدباء في البحرين.. وكان يرتدي الملابس العصرية المريحة دائما.. لكنه ما إن تحين ساعة الشعر.. حتى يبدو لنا بدشداشته وغترته وعقاله.. ليعكس هوية بلده بطبيعة هندامه.. وهكذا صار لمهرجان الشعر صفة أخرى تشبه عروض الأزياء التراثية.. وصار للجمال فسحة تزيّن الحروف والمعاني بالألوان الزاهية فيغدو ثمة بعد آخر مضافا إليه الإلقاء ونبرة الصوت وصدق أو عمق المشاعر..

وهو ليس بالضرورة استعراض أزياء أو تفاخر بملابس لكنه تعبير خاص عن الهوية والاعتزاز بأصالتها.. وهو في النهاية يساعدنا على معرفة أنفسنا أكثر بدراستنا لتاريخنا وتراثنا.. وفي رأيي الخاص.. أجد من الضرورة أن نتقن ثقافة رصينة عن تاريخ الملابس في بلادنا وأن نحاول أن نضفي لمسة من ذوقنا الخاص في ما نرتديه فنتميز.. بدل أن نقلد الغرب بكل شيء..

وكم تمنيت أن يحذو حذونا الشعراء.. فيرتدي الشاعر العراقي في المناسبات زيّا سومريا مثلا أو زيا شعبيا عراقيا يعكس هويته وانتماءه.. فكم نحتاج من ايمان واعتزاز بأنفسنا لنفعل ذلك؟!

صباحكم انتماء..

شاعرة عراقية

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر