السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

خيار الصحراء بعد فشل دولة الخلافة

قد تكون العملية الإرهابية الأخيرة ردا من داعش على الضربات التي وجهها الجيش الليبي للجماعات الإٍرهابية في سرت وبنغازي ومصراتة، لكنها توجيه للصراع نحو الجغرافيا الصحراوية الرخوة التي تستجيب لعمل التنظيمات الإرهابية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/08/26، العدد: 10734، ص(9)]

على الرأي العام العربي أن لا يتعجب في حال تناسلت أخبار إقدام تنظيم داعش على ممارسة أفعال مشينة في حق العسكريين والأمنيين والمدنيين في منطقة شمال أفريقيا والساحل الأفريقي بشكل عام على غرار قطع داعش لرؤوس مجموعة من العسكريين الليبيين في منطقة الجفرة جنوب ليبيا.

على الرأي العام المتابع للظاهرة الإرهابية أن يكون متأكدا من خطأ المقاربة الأمنية القائلة بأن داعش يمتلك رأسا أمنيا واستراتيجيا واحدا في الرقة والموصل، فداعش كيان أخطبوتي يحوز مجموعة من الرؤوس وينتشر على أكثر من حيز جغرافي.

أدرك داعش منذ 2015 بأن الإرادة الدولية ترسخت لقتاله واستئصاله من المشرق العربي بعد أن أدى أهدافه الاستراتيجية الكبرى الكامنة في إضعاف الجيوش الكبرى التقليدية وترسيخ لوثة الطائفية المقيتة وتجذير مطلبية الانفصال للكيانات الهجينة على غرار كردستان العراق.

وعلى ضوء هذا الإدراك المتنزل في سياق وظائفية التنظيمات الإرهابية، انتقل داعش إلى الجغرافيات الرخوة حيث الدولة الفاشلة والسلطات الميليشاوية وفوضى السلاح والهويات المفترسة التي بالإمكان توظيفها نحو كينونة الهويات القاتلة.

انتقل داعش ومعه لفيف من التنظيمات الإرهابية، إلى منطقة الساحل الأفريقي بعد سبات استراتيجي مستغلا مسالك القرصنة والتهريب، وقبل منطقة الساحل وجد في ليبيا الجغرافيا المستباحة بعد سقوط السلطة والتصحر الثقافي والسياسي والمعرفي بعد استيلاء التيارات السلفية والإخوانية على السلطة عقب أحداث 2011، خير عمق استراتيجي وأفضل وقود لنيران التكفير والتهجير.

لن يترك داعش ليبيا بسهولة، وفي حال أخلى الساحل فلن يهجر الصحراء، وفي حال غادر الصحراء فسيسعى إلى التمركز في الخلاء على مقربة من صحراء ليبيا الكبرى مستغلا ضعف المؤسسات الأمنية والعسكرية في بلدان الطوق الجنوبي ومستغلا تردد الفاعلين الدوليين في محاربة الإرهاب واستئصاله من منطقة شمال أفريقيا.

تريد التنظيمات الإرهابية تحويل ليبيا إلى أفغانستان ثانية، والجزائر ومصر إلى باكستان ثانية، وكما لعبت المخابرات الأجنبية لعبتها وسطرت استراتيجيتها لتحويل أفغانستان إلى عشّ دبابير للجماعات الإرهابية، تعمد المخابرات القطرية والتركية اليوم بصفة أساسية إلى تأبيد الأزمة في ليبيا سعيا إلى سحبها على مصر والجزائر وباقي منطقة المغرب العربي.

قد تكون العملية الإرهابية الأخيرة ردا من داعش على الضربات الصريحة التي وجهها الجيش الليبي للجماعات الإرهابية في سرت وبنغازي وجزء من مصراتة، وتصريحا بالوجود الموجع على الجغرافيا الليبية، ولكنه في المقلب الآخر توجيه للصراع نحو الجغرافيا الصحراوية الرخوة التي تستجيب أكثر لعمل التنظيمات الإرهابية.

بمعنى آخر يرجع داعش إلى كينونته البكر من حيث إنه تنظيم زئبقي ومن حيث إنه جماعة إرهابية ميليشاوية تعتمد مسلكية التهريب والإرهاب والاتجار بالإنسان والأديان وتخريب المكان والزمان، وذلك بعد أن فشل فشلا ذريعا في استحقاق دولة الخلافة وخلافة الدولة الرسمية، وقدم للبشرية أسوأ نموذج على مدى الحضارة الإنسانية جمعاء لما يمكن أن نسميه بـ“السلطة الحاكمة”.

وفي عودته تلك، تسليم الفاشل والخاسر بوجود سلطة سياسية وعسكرية في ليبيا بقيادة أمنية وسياسية تنتظر مزيدا من التوافق المحلي والإقليمي والدولي، مع رهان إرهابي بالعودة من نافذة التيارات الإخوانية التي تخدع المجتمع بنصف خطاب سياسي مخاتل وتقدّم رقبته على مقصلة الإرهابيين مرة بالتكفير الناعم، وأخرى بالترهيب الصارم منتشية بربطات عنقها الجديدة.

ليبيا في حاجة أكيدة اليوم، إلى محاربة الإرهاب الداعشي في الصحراء، بنفس حاجتها لمحاربة أنصاف الإرهابيين في المدن والمجالس النيابية، وهي بذلك في أمس الحاجة لعقد اجتماعي حقيقي حيال منظومة الحقوق والواجبات واحترام التشريعات المتوافق عليها الأمر الذي يفرض عليها انكبابا حقيقيا لصياغة دستور الجمهورية الليبية الأولى والذي يجب أن يكون الخيط الناظم لتطلعات وانتظارات الشعب الليبي.

وكما يتمعّش الإرهاب من الصحراء حيث تداخل الحدود البرية والعلائقية، فإنه يتمعش أيضا من ضعف المواطنة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لتلك الأماكن الهشة، فيستثمر بذلك النقد المجتمعي نحو مطلبية الانفصال ويوظف بذلك الغضب الاجتماعي للإصلاح صلب الدولة إلى احتقان على مؤسسات الدولة. هنا أيضا تكون الالتفاتة الحقيقية نحو الصحراء ونحو متساكنيها تمكينا لمقدرات المواطنة بشتى أنواعها.

تخوض ليبيا حرب الوطن والمواطنة من أجلها اصالة، ومن أجل أمن واستقرار المغرب العربي وكالة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر