السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السعودية ترفع شعار 'صفر أخطاء' لأكبر موسم حج في تاريخها

  • موسم الحج هذا العام هو الأكبر والأكثر عددا في تاريخ المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها، وقد جهّزت الرياض نفسها وكانت “العرب” حاضرة لمتابعة كل التدابير التي اتخذتها المملكة وجميع التحضيرات التي رتّبت لها والتي كانت عالية المستوى في مواقف الحافلات وعند مداخل المشاعر المقدّسة ومخارجها، لتأمين سلامة التدفق البشري المتأتي من كل العالم، مبرهنة على إمكانياتها وقدراتها على استقبال ضيوفها مهما بلغ عددهم.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/08/28، العدد: 10736، ص(12)]

أداء المناسك رغم الاكتظاظ

مكة المكرمة (السعودية) – لا فرق بين دخولك المملكة العربية السعودية لحجّ بيت الله الحرام من مطار المدينة المنورة أو مطار جدّة الدوليّ، فذات الانطباع سيتسّرب إلى فؤادك متحوّلا إلى يقين بأنّ السعودية التي رفعت شعار “الحزم” ضدّ الميليشيات المستقوية بالدول الإقليمية وضدّ دول الجوار والإقليم الموظّفة لجماعات الترهيب والتهريب، متأهبة ومستنفرة تمام الاستنفار لـ”موسم حجّ بلا هفوات أو أخطاء”.

هو تحدّ إذن رفعته العاصمة السعودية الرياض ضدّ كلّ من يراهن على فشل الحجّ كإجراء تنظيمي أو إفشاله من خلال التشكيك في أهليّة وأحقية المملكة العربية السعوديّة في الإشراف على موسم الحجّ والعمرة.

ذلك أنّ الترفيع في عدد الحجيج إلى نحو 2.6 مليون حاج وحاجة من كافة أصقاع العالم يرسل رسالة مضمونة الوصول إلى بعض عواصم الإقليم والقوى الإقليمية مفادها أنّ السعوديّة تملك من الإمكانيات اللوجستية والتقنية والفنية والفكرية ما يمكنها من استيعاب أكبر تجمّع بشري سنويّ في العالم.

وباستقبال هذا العدد الكبير من الحجيج تستعد المملكة العربية السعودية لاستقبال أكبر موسم حجّ في تاريخها، سواء أكان التأريخ بالتأسيس في 1720 أم كان بالتوحيد في 1932. فعلى مدى نحو شهر استقبل مطارا المدينة المنورة وجدّة الآلاف من الرحلات الجوية اليومية كما استقبلت المنافذ البريّة والبحرية قوافل ضيوف الرحمن لموسم 2017.

ترفيع غير مسبوق

رفعت المملكة العربية السعودية هذا العام من عدد الحجيج مقارنة بالسنوات الماضية التي عرفت توسعة كبيرة للحرمين الشريفين لاستيعاب أكثر عدد ممكن من ضيوف الرحمن، سواء منهم القادمون من أجل أداء المنسك الخامس للإسلام أو الاعتمار.

وأمر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز برفع أعداد الحجاج من الداخل والخارج للعام الحالي إلى نحو 2.6 مليون حاج، مقارنة بـ1862909 حجاج أدوا الفريضة العام الماضي، أي بزيادة قدرت بنحو 800 ألف حاج.

الترفيع في عدد الحجاج رسالة مضمونة الوصول لبعض العواصم الإقليمية، مفادها أن السعودية تملك الإمكانيات لذلك

وجهّزت المملكة العديد من المرافق لاستقبال هذا العدد الهائل من الحجيج سواء في المعابر الجويّة (مطاري المدينة المنورة وجدّة) أو المنافذ البرية والبحرية.

وتؤكّد مصادر رسمية سعوديّة تأمين كافة الترتيبات لاستقبال ضيوف الرحمن، إذ ستبلغ عدد الجنسيات المسجلة لهذا العام 178 جنسيّة من كل أقطار المعمورة.

وأغلق المجال الجوي السعودي، الأحد، بهدف استقصاء واستيفاء الحجيج الموجودين على التراب السعوديّ، استعدادا لموسم الحجّ الذي يستلزم تأهّبا وتجنّدا على كافة المستويات. وشرعت المملكة العربية السعودية في إنجاز مشاريع كبرى بالمشاعر المقدسة “منى ومزدلفة وعرفة”، وفي الحرمين الشريفين. وفي هذا الإطار يؤكد الشيخ عبدالرحمن السديس، الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، أنه ستتم الاستفادة من مشروع زيادة الطاقة الاستيعابية للمطاف والتوسعة الشمالية للحرم المكي الشريف والمصاطب كافة، مما سيكون له الدور الكبير والأثر العظيم في أداء الحجاج لمناسكهم وشعائرهم وعبادتهم بكل يسر وراحة واطمئنان.

وأضاف السديس في تصريح إعلامي، أنّ خطّة الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي سينفذها 10 آلاف من القوى العاملة من الموظفين والموظفات الرسميين والموسميين والعمالة المكلفة بالنظافة والصيانة والتشغيل. كما شملت أعمال الصيانة والتطوير مشعر منى المقدّس، المكان الذي يمكث فيه الحجاج لثلاثة أيام وتسمّى أيام التشريق، حيث تم تشييد جسر للمشاة قرب مستشفى منى الوادي.

ورفعت المملكة العربية السعودية، من خلال التحضيرات الماراثونية التي قامت بها استعدادا لموسم الحجّ، شعار “صفر أخطاء”، وذلك لا يتجلى فقط من خلال سعيها الدؤوب لتطوير منظومة الحجّ التي تبقى دائما منظومة معقدة وشائكة نظرا لأنها تحتضن جمهرة كبيرة من البشر الذين يريدون تأدية منسك تعبدي واحد في ذات المكان والزمان، بل أيضا لأنّ الرياض على علم ويقين بوجود من يراهن على فشلها في تأمين هذا الموسم ومن يرهن مستقبلها السياسي والاستراتيجي بهفوة هنا أو هناك تصيّدا للأخطاء لا رميا للإصلاح والتطوير.

وفي هذا السياق ومع إنجاز 14 مشروعا متعلقا بشكل مباشر بمنظومة الحجّ، أدخلت المملكة العربية السعودية منظومة إلكترونية لتأمين المتابعة الحينية لحافلات الحجيج خلال انتقالهم بين المشاعر المقدّسة.

تحضيرات عالية المستوى وشديدة الدقة

ويؤكد وكيل وزارة الحج لشؤون النقل الترددي سهل صبان أن وزارة الحج اعتمدت هذا العام برنامجا إلكترونيا مخصصا للنقل يتيح متابعة جميع الحافلات الناقلة للحجاج في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة ويضمن مراقبة أداء الحافلات، ومواعيد تحرك الحجاج ووصولهم من كافة المواقع التي يمرّون بها خلال رحلة الحج.

وبيّن أن هناك نقلة نوعية هذا العام في إدارة عملية نقل الحجاج من خلال أسطول الحافلات في شتى مراحل النقل وذلك عبر إرشادها ومتابعتها (الحافلات) ببرنامج موحد ومتابع من النقابة العامة للسيارات، وهذا العام يعد الأول في تطبيق هذه الآليات لمتابعة الحافلات وسير حركتها سواء في مكة المكرمة أو في المشاعر المقدسة.

وبحسب صبان، فإن البرنامج يضمن مراقبة أداء الحافلات ومواعيد تحرك الحجاج ووصولهم من كل المواقع التي يمرون بها خلال رحلة الحج، موضحا أن موسم حج هذا العام سيشهد مشاريع عدة تختص بزيادة المساحات المعدة لإسكان الحجاج وكذلك في مزدلفة، بالإضافة إلى إنشاء جسور لفصل الحافلات عن حركة المشاة، الأمر الذي يوفر الجهد والوقت الكافيين لنقل الحجاج من عرفة إلى مزدلفة وكذلك من مشعر مزدلفة إلى منى.

وفي اجتماع تحضيري لمنظومة النقل بين المشاعر عقد الأسبوع الماضي بالمؤسسة الأهلية لمطوفي حجيج الدول العربيّة وكانت “العرب” قد حضرت فعالياته، أكّد نائب رئيس القطاع التنفيذي لحجاج شمال أفريقيا نواف البخاري التزام المؤسسة بحسن انسيابيّة الحافلات والمشاة من الحجيج خلال الانتقال بين المشاعر المقدّسة عامّة وإبّان نفرة الحجيج من صعيد عرفة إلى مشعر منى المقدّس عبر مزدلفة.

وأضاف أنّ تحضيرات عالية المستوى وشديدة الدقة تمّ اتخاذها في مواقف الحافلات وعند مداخل ومخارج المشاعر المقدّسة لتأمين سلامة التدفق البشري عبر الطرق المخصّصة للمشاة ونجاعة انسيابية الحافلات عبر المسالك المخصصة لها.

وشدّد البخاري على أنّ الفلسفة الأساسية لمنظومة النقل بين المشاعر المقدسة كامنة في ضمان سلامة وأمن الحجيج كأولويّة وعدم تعريض حياتهم لأي خطر مع ضرورة رعاية المرضى والطاعنين في السنّ وتمكينهم من سبل أداء النفرة في أحسن الظروف. وتابع أنّ نجاح منظومة النقل في المشاعر المقدسة يستلزم تكاملا في العمل بين مكاتب الخدمة الميدانيّة والمشرفين والمرشدين من البعثات الرسمية مع تأطير المؤسسة الأهلية لمطوفي حجيج الدول العربية.

أما بخصوص تطوير منظومة النقل، فيذكر أن أمانة العاصمة المقدسة بمكة المكرمة تستعد لتشغيل جزء جديد من مشروع الطريق الدائري الرابع خلال الأيام المقبلة، وذلك بهدف تسهيل الحركة المرورية والمساهمة في تخفيف الكثافة التي تشهدها العاصمة المقدسة خلال أيام الحج.

وفي هذا المستوى أوضح أمين العاصمة المقدّسة أسامة البار أن الأمانة هيّأت أجزاء كبيرة من الطريق الدائري الرابع بنسبة تقارب الـ80 بالمئة من المشروع، وشغلت بنجاح خلال الفترات الماضية، مما أسهم في تخفيف العبء عن الطرق القائمة، وإتاحة بدائل متعددة ساعدت في انسيابية الحركة المرورية.

وأشار إلى أن الأمانة بدأت في استكمال المراحل المتبقية وفق وتيرة سريعة، بهدف الانتهاء في أسرع وقت، وأن جميع أجزاء المشروع ومراحل تشغيلها تحظى باهتمام من قبل الأمانة.

اهتمام كبير بصحة الحجيج

سيشهد موسم الحج الحالي استبدال الخيام التقليدية القطنية بخيام متطورة وسميكة من صنع ألمانيّ مانعة لتسرّب أشعة الشمس خلال يوم التاسع من ذي الحجة وأيام التشريق ومقاومة للرياح العاتية والعواصف الرعديّة مع دعم تلك الخيام بمكيّفات تبريد ذات طاقة عالية بدلا من المكيّفات الصحراوية المستخدمة في السابق.

احتفاء منظم بكل الدول

ويستأثر المجال الصحيّ باهتمام الفاعلين الرسميين في المملكة العربية السعودية، حيث تعمل وزارة الصحة على توعية الحجيج الميامين بسبل التوقي من الأمراض المنقولة بالتنفّس إضافة إلى تقديمها للتلاقيح الضرورية في المداخل البرية والجوية والبحرية لضيوف الرحمن، مع اشتراطها الدوري لدفتر التلقيح كوثيقة أساسية لنيل تأشيرة السفر إلى السعودية ودخول البقاع المقدّسة.

وفي تصريح صحافي أكد وزير الصحة توفيق الربيعة أنه تم تنفيذ العديد من المشاريع الصحية التطويرية شملت تطوير البنى التحتية والأقسام الطبية بمستشفيات المشاعر وتهيئة أربعة آلاف سرير بمستشفيات العاصمة المقدسة والمشاعر المخصصة للتنويم والعناية المركزة والطوارئ وتجهيز 128 مركزا صحيا دائما ومؤقتا إلى جانب 39 فرقة طبية ميدانية علاوة على قافلة خادم الحرمين الشريفين الطبية بـ45 حافلة لنقل الحجاج المرضى بين المشاعر وتسهيل إكمالهم لشعيرة الحج وأخيرا تم تجهيز 100 سيارة إسعاف صغيرة بالمشاعر المقدسة لنقل المرضى. أما هيئة الهلال الأحمر السعودي فإنها جهزت 1245 مركزا دائما ومؤقتا وعربات متحركة مسنودة بأكثر من 10 آلاف مسعف ومتطوع من الجنسين موزعين على مكة المكرمة والمشاعر والمنافذ البرية والبحرية والجوية، كما تم تجهيز ثلاث طائرات للإسعاف الجوي.

وتم في مجال النظافة زيادة أعداد العمالة إلى 13 ألفا في مكة والمشاعر المقدسة مجهّزين بأحدث المعدات كما تم تخصيص فرق مركزية لمواجهة أي حالات طوارئ كالأمطار أو الحرائق أو لدعم أي منطقة في حال الحاجة.

عموما تستعدّ المملكة العربية السعودية لموسم حجّ هو الأكبر والأعظم والأكثر عددا في تاريخ المملكة منذ تأسيسها في 1720 قبل توحيدها في 23 سبتمبر 1932. وفي موسم تاريخي واستثنائيّ كهذا تقدّم السعودية خياري الحديد والحرير مع الصديق قبل العدوّ، فهي تستقبل كافة الحجيج ولا تردّ ضيوف الرحمن القطريين الذين دخلوا من معبر حدودي بريّ ملبّين “لبيك اللهم لبيك” كما تستقبل البعثة الإيرانية التي يبلغ تعدادها نحو 75 ألف حاج إيرانيّ -تعدّ واحدة من أكبر بعثات الحجّ في العالم-، على الرغم من التناقضات السياسية والاستراتيجية بين الرياض من جهة وطهران والدوحة من جهة ثانية.

إلا أنها وفي الجهة المقابلة تقوم بعرض عسكري كبير في مكة المكرمة وبحضور ولي العهد محمد بن سلمان سيظهر الاستعداد الأمني والتأهب العسكريّ لموسم الحجّ.

ونال إعجاب قناة “بي بي سي” البريطانية التي قدمت العرض العسكري في تقاريرها الإخبارية معنونة إياه بـ”هناك عروض عسكرية وهناك عرض عسكري ضخم في مكة”، ولكنّه ليس من المؤكّد أنّه نال الاستساغة والرضا من عواصم ودول وميليشيات تبتغي المزايدة واقتناص الفرص وتجيير مواسم الأديان في الحسابات السياسية الضيّقة ولو كان الثمن موسم التبتّل إلى الله ولو كان الثمن الاستجابة الإنسانية في موسم التاريخي لدعوة تاريخية من لدن إبراهيم عليه السلام.

وأعلنت السعودية أن عدد الحجاج القادمين من الخارج هذا العام، بلغ حتى الآن، مليونا و584 ألفا و369 حاجا.

وقالت المديرية العامة للجوازات في إحصائيتها اليومية، عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، إن “عدد الحجاج القادمين عن طريق الجو بلغ مليونا و483 ألفا و522 حاجا، بينما وصل 86 ألفا و149 حاجا عن طريق البر، وعن طريق البحر 14 ألفا و598 حاجا.

ووصل عدد حجاج بيت الله الحرام العام الماضي نحو 1.9 مليون حاج بحسب أرقام رسمية. يذكر أنه منذ 24 يوليو الماضي بدأت السعودية في استقبال الوفود من جميع الدول الإسلامية لأداء الفريضة.

كاتب تونسي

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر