الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الكتابة والواقع

الإبداع في أكثر أشكاله تجريدا يقوم على عناصر ومعطيات واقعية، في حين أن حاجة البشر إلى الأدب والفن ما زالت قائمة وتشكل مصدر غذاء للروح والفكر والوجدان الإنساني.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/08/29، العدد: 10737، ص(15)]

العلاقة بين الكتابة والواقع كانت وما زالت موضوعا إشكاليا، سببه ليس غموض هذه العلاقة وحسب، إنما هناك أسباب أخرى في مقدمتها طبيعة المنهج الفكري والتحليلي الذي كان ينظر من خلاله إلى هذه العلاقة وتجري محاولة استنطاقها، وإدراك أبعاد تجليها في النص الأدبي.

وما زاد من تعقيد المشكلة أن هناك وسيطا آخر بين طرفي هذه العلاقة هو الكاتب، الأمر الذي أصبح يتطلب دراسة هذه العلاقة بمستوياتها الثلاثة ودور كل منها في تظهير هذه العلاقة وتحديد أبعادها.

لقد أعاد بعض الدارسين هذه الإشكالية إلى اللغة بحكم طبيعتها المجازية بينما يتحدث البنيويون عن البنية المكتفية بذاتها للغة، والتي يجري استبعاد أي دور للمؤلف فيها، في حين أن المناهج النفسية تبحث في البنية النفسية للكاتب وتعتبر اللغة مجرد وسيط تحكمه الدوافع الشعورية واللاشعورية للكاتب.

بالمقابل هناك مناهج أخرى تحاول اكتشاف حدود هذه العلاقات بين الواقع والكاتب من منظور جدلي يحاول الكشف عن دور الواقع واللغة والمؤلف فيها، وهذا ما يفسر ظهور العدد الكبير من النظريات والمدارس النقدية وتياراتها المتعددة، حتى بات من الصعب على الناقد المختص الإحاطة بكل هذه المناهج وتفرعاتها المختلفة.

لا شك أن تحولات الواقع المستمرة والتبدلات التي تطرأ على بنية الواقع، وبالتالي على المزاج العام للمتلقي نتيجة لذلك، إضافة إلى تطور المفاهيم والعلوم قد ساهمت إلى حد كبير في توسيع حدود معرفتنا بأبعاد هذه العلاقة وديناميات عملها على مستوى الكتابة، لكنها في الآن ذاته زادت من تعقيد شبكة المفاهيم التي تتطلبها مثل هذه القراءة على مستوى النص وتمثلاته الجمالية للواقع وللذات المبدعة بأبعادها ومستوياتها المتعددة.

وهكذا فإن ما قدمه النقدان الماركسي والاجتماعي مختلف تماما عن المفاهيم والرؤية اللتين قدمهما النقدان النفسي والبنيوي، لكن المسألة الأخرى التي تطرح نفسها على هامش هذا الحوار المفتوح بين النص والواقع، هي من يغني الآخر الواقع أم الإبداع؟ وأين يكمن دور المبدع في هذه العلاقة الحوارية وأشكال التعبير الجمالي عنها.

ثمة الكثير الذي كتب في هذا السياق على صعيد علم الجمال والنظريات الأدبية والنقد لكن كل هذا لم يمنع أن تظل هذه العلاقة مصدرا يتغذى ويغتني منه الواقع، وفي الآن نفسه يتغذى ويغتني منه الأدب، الأمر الذي يجعل الإبداع في أكثر أشكاله تجريدا يقوم على عناصر ومعطيات واقعية، في حين أن حاجة البشر إلى الأدب والفن ما زالت قائمة وتشكل مصدر غذاء للروح والفكر والوجدان الإنساني، بل أصبحت هذه العلاقة دلالة على تقدم المجتمعات ورقيها الحضاري.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر