الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

المجلس الإسلامي السوري.. أوهام البحث عن مرجعية دينية للثورة

الثورات الفعلية ضد الاستبداد لا تحتاج لمرجعيات دينية وإنما تحتاج لمرجعية وطنية تعترف بحقوق جميع المكونات وتقف بوجه كافة أشكال الاستبداد وتجلياته.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2017/09/04، العدد: 10741، ص(13)]

حضر العلم التركي وغاب علم الثورة السورية

على خلاف ما تبدى في الثورات العربية من خطاب ديني موحّد إلى حدّ ما، شكل تباين الخطاب الديني واختلاف مرجعياته منذ بدء الحراك السوري هاجساً كبيراً لمن يرون في تشتت الخطاب الديني وغياب المرجعية الدينية الموحّدة سبباً أساسياً في ما وصلت إليه الحال السورية من التشظي وانتشار الفصائل الدينية المسلحة وصراعاتها المستمرة والمتكررة وأن الخلاص يكمن في إيجاد الطريق لتوحيد الخطاب الديني كأساس لتوحيد الفصائل والجهود في مقارعة النظام.

ما عانته الثورة السورية من غياب واضح للنخب الثقافية والعلمانية في قيادة الحراك وظهور أسماء وهمية وغير معروفة على الصعيد المجتمعي تقود “التنسيقيات” وتدعو للتظاهر وتبرمج الهتافات، إلى انعدام وجود أحزاب سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة لحشد قوى الجماهير وتوجيه طاقاتها في سوريا قبل الثورة، وصولا لخصوصية النظام والمجتمع السوري المتنوع وعدم وجود قاعدة واسعة تحمل أيديولوجيا موحدة للإسلام السياسي، كل ذلك أدى إلى ظهور العديد من المرجعيات التي جرى توظيفها في سياقات الثورة ضمن محاولات دغدغة الوسط الإسلامي الشعبي واستقطابه والتي تراوحت بين الخطاب الطائفي التحريضي الذي لم يستند إلى أسس شرعية واضحة إنما على اعتبار السلطة بيد أقلية دينية، وبين الخطاب السلفي الجهادي الذي حدد هدفه بإقامة دولة إسلامية، واستبدل مفردات الثورة والتحرر من الاستبداد السياسي بمفردات “الجهاد” و”تطبيق الشريعة”، وفي كلا الخطابين تم اعتبار أن الشعب الذي شارك بالثورة هو من أهل السنة والمتدينين في سوريا، وبالتالي تم الابتعاد عن إنتاج خطاب وطني جامع يتجاوز تهمة الطائفية -التي ما انفك إعلام النظام يتهم الثوار بها- ويتناسب مع تحقيق مصالح السوريين في المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

أغرب الفتاوى تجلت بوقوف المجلس مع العمليات العسكرية التركية في سوريا واعتبارها من 'أعظم البر والتقوى'

مع اشتداد الحرب وتعدد الفصائل وتناحرها وأثرها الكبير في إعاقة تشكيل جيش وطني سوري موحّد يكون ذراعاً قوية للمعارضة، اتخذ البحث عن إيجاد مرجعية دينية إسلامية موحدة أهمية أكبر من البحث عن إيجاد نخبة وطنية متنوعة المشارب وفاعلة على الصعيد المجتمعي بالنسبة للعديد من أطياف المعارضة التي تعتبر أن وجود مثل هذه المرجعية الدينية هو ضرورة للخروج من تململ الحاضنة الشعبية الإسلامية من تصرفات الفصائل وانفضاض الناس عن فكرة الثورة، ولتوجيه الصراع ضمن أهداف تخدم المعارضة والثورة، وبناء عليه تم الإعلان عن تأسيس المجلس الإسلامي السوري في إسطنبول في أبريل 2014 ، وضمّ قرابة 40 رابطة علمية وشرعية لأكبر الفصائل الإسلامية.

وأشار رئيس المجلس الشيخ أسامة الرفاعي إلى أن تشكيله جاء “لتكوين مرجعية إسلامية للشعب السوري، لتسديد مسيرته والنظر في قضاياه العامة”، حيث تعهد المشاركون أن تكون المرجعية الشرعية على الكتاب والسنة، وفي 18/ 9/ 2015 أطلق المجلس وثيقة “المبادئ الخمسة للثورة” التي حددت مسار المجلس وحازت على إجماع أغلبية قوى الثورة والمعارضة السورية، كما أعلن في 14 / 5/ 2017 عن تشكيل مجلس إفتاء يضم علماء من المجلس ومن خارجه، بهدف “تعزيز الفتاوى المتعلقة بأمور الشأن العام والنوازل التي تحتاج إلى اجتهادات فقهية تفي بضرورات العصر وحاجته وعدم تفرّد المجلس بها”.

وقدّم المجلس العديد من الفتاوى المتعلقة باقتتال الفصائل، كما دعا لمناصرة حركة “أحرار الشام” لرد بغي هيئة “تحرير الشام” لكن أغرب الفتاوى تجلّت بوقوف المجلس مع العمليات العسكرية التركية في سوريا واعتبارها من “أعظم البر والتقوى” وحثّ الفصائل على المشاركة فيها باعتبار قتال تنظيم “داعش” و الـ PYD (حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي) هو قتال مشروع، هذه الفتوى التي شكلت سندا شرعيا للفصائل المشاركة في عمليات “درع الفرات” تعدّ الأولى من نوعها في التعاون العسكري المباشر مع دولة أخرى على الأرض السورية.

المجلس الإسلامي الذي تصدّر المشهد السوري ليكون المرجعية الإسلامية للثورة بقدر ما لاقى من التأييد من قبل بعض الفصائل المقاتلة ومن أوجه المعارضة وأبرزهم المعارض “جورج صبرا” القيادي في حزب الشعب الديمقراطي (الحزب الشيوعي/المكتب السياسي سابقاً) ورئيس المجلس الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الذي اعتبره “إحدى ثمرات الثورة” وتمنى أن يكون المجلس “المظلة التي تنبت القيادة السورية الجديدة وتعمل على توحيد واستقلالية القرار الوطني السوري”، لاقى هذا المجلس الكثير من الانتقادات في عدم تمكنه من الظهور كجسم متماسك، وضعف مواكبته للأحداث الكبرى وعجزه عن إبداء موقف حاسم في مواجهة الكثير من الأحداث والوقائع فهو يكتفي غالباً بإصدار البيانات، ويبتعد عن تقديم المقترحات والتصورات للحلول الممكنة، بالإضافة إلى عدم وجوده في الداخل أو امتلاكه أي سلطة أو نفوذ على الأرض، كما يفتقر للتأثير على الفصائل المختلفة بمرجعياتها الدينية الحركية التي تنادي بدولة إسلامية، ولا تعترف بالثورات عموما وتعتبر الثورة السورية ثورة إسلامية “سنية” في وجه أقلية متحكمة في سوريا، ما يجعله غير قادر على القيام بأي ضغط من أي نوع على الأطراف الفاعلة في الساحة.

وقد ظهر ضعف المجلس الكبير في عدم قدرته على إيقاف سيل الدم والاقتتال بين فصيلين يعترفان بمرجعيته الدينية ووقعا على مبادئه الثورية الخمسة وهما” فيلق الرحمن وجيش الإسلام” في الغوطة الشرقية، أما أكثر الانتقادات شدة فكانت حول وجوده كمرجعية إسلامية “للشعب السوري” ومقدار تمثيله لكافة المسلمين في سوريا، وحول نهجه العام وتقديره الاحتضان التركي للمجلس وإصدار فتوى بشأن دعم تدخلها في سوريا، ليكون مجلساً تركي الهوى سوري الهوية.

ما عاشته سوريا من متغيرات مفصلية منذ 2011 حتى الآن غيّب مفهوم الثورة عن مجريات الأحداث وتحولت الثورة إلى حرب مفتوحة “في وعلى” سوريا خصوصا بعد خروج القرار السوري من أيدي السوريين إلى لاعبين إقليميين ودوليين، وهذه المتغيرات المفصلية جعلت من البحث عن مرجعية دينية للثورة التي يتنادى إليها البعض في إعلاء دور المجلس الإسلامي السوري أو غيره من الهيئات الدينية هو نوع من العماء، فالثورات الفعلية ضد الاستبداد لا تحتاج لمرجعيات دينية وإنما تحتاج لمرجعية وطنية تعترف بحقوق جميع المكونات وتقف بوجه كافة أشكال الاستبداد وتجلياته.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر