الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

قل لي ماذا تسمي 25 يناير، أقلْ لك من أنت

القضاة ورجال الدين والعسكريون هم ثلاثي أعداء الثورات. وكلما انتكست الأمور في مصر بسبب الارتجال وسوء الإدارة، والاستبداد بالرأي، والإصرار على خنق الفضاء العمومي، وجهوا إصبع الاتهام إلى 25 يناير.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/09/05، العدد: 10742، ص(9)]

لا مناسبة، في هذا الصيف الرهيب، للكلام عن ثـورة 25 يناير 2011، فنحن بعيدون عنها زمنيا بمقدار فصلين وسيل من مقالات الشماتة بالثورة المغدورة. ولكن تونس بقفزتها الكبرى إلى المستقبل، متجاوزة النقل وسدَنته، حرضتني على هذا المقال، فهو مهدى إلى تونس الثورة الرمز الملهمة، والمثيرة من غير قصد لذكريات مريرة أيضا.

ففي فبراير 2017 تعرضت لأزمة صحية غير مسبوقة، تسمم استمرت أعراضه يومين وثلاث ليال، واحتملت ألما شديدا في الأمعاء مع تواصل الإسهال والهزال، ولا أشتهي طعاما ولا أشعر بجوع.

كنت في مدينة أسوان، على بعد أيام من ذكرى نجاح 25 يناير في إزاحة حسني مبارك، ذكرى لم يحتفل بها أحد، وأحيطت بصمت خجول يناسب التعمية الرسمية على اندلاع ثورة احتفى بها دستور 2014 في ديباجته كتمثيل “للإرادة الشعبية الجارفة”، وتتجاهلها المؤسسات الرسمية، في مقابل الحفاوة الإعلامية الكبرى بذكرى 30 يونيو 2013.

قبل تصعيد الأمور، وتحميل إدارة الفندق مسؤولية تلوث الطعام، طلبوا “مستر نادر” مدير الفندق، وهو مدير ناجح بامتياز قدم لي من ذاكرته بالأرقام والتواريخ ما يشبه التقرير عن أزمة السياحة، وتأثيرها على حجم التشغيل، وكيف استغنت إدارات فنادق أخرى عن أكثر من نصف عدد العاملين، أما هو فيتحمل استمرار طاقم العمالة كاملا، ولا يريد “قطع عيش” أحد، رغم ارتفاع أسعار الكهرباء وأغلب الخدمات.

مشكلات تخص قطاعا إنتاجيا لا ينتج، وإلى جوار مشكلة السياحة يهون التسمم وآثاره، فأتورط في ما هو أكثر أهمية، وأسأله عن المدى الزمني المتوقع لانتهاء تراجع السياحة؟ وهو يؤكد لي نظافة الطعام، وأنه طازج لا يشترونه، وإنما يزرعونه في مزرعة ملحقة بالفندق، ويأتون به إلى المطبخ مباشرة. وأنا أؤكد له أن فلاحا مثلي، لا يحب الأدوية وقلما يلجأ إليها ثقة بقدرات الجسد وطاقاته، جرب كل أنواع الطعام ولو دون غسيل في الغيط والجيش، لا بد أن لديه مناعة ضد التلوث، بدليل أنني أحيانا أعود إلى البيت بالفسيخ والسردين وأتعشى في الفجر.

ولم أدع لمدير الفندق فرصة ليبتسم على مفارقة العشاء في الفجر، بصرف النظر عن معضلة السردين، وقلت إن هناك سببا غامضا لهذا التسمم، وعليهم إجراء تحقيق، فأمر بإحضار أقراص من الأنتينال، وأقسم أنها مع قليل من شوربة لسان العصفور ستزيل الألم، ولم ينس أن يذكرني مرة أخرى بأن أزمة السياحة لن تستمر طويلا، ومعها الآثار السيئة التي تسببت فيها “كارثة 25 يناير”.

كنت منهكا، لا أقوى على مناظرة، ولا يليق بالثورة أن أدافع عنها فتبدو في موضع اتهام. وحين اندلعت موجتها الكاسحة في 28 يناير “جمعة الغضب” كان الشعب يحلم بالتغيير والحرية والعدالة الاجتماعية، في إيجاز يشمل أيضا القضاء على الفساد وكافة أشكال التمييز، فلا يتحمل أمثال “مستر نادر” أعباء مضاعفة لخدمات تفرضها حكومة جاهلة تستسهل اللجوء إلى رفع الأسعار، وتغض الطرف عن بلطجة صريحة يمارسها البعض من رجال السلطة والشرطة بابتزاز أصحاب الأعمال، من ملاك الفنادق حتى صاحب “نَصْبة” شاي غلبان يهدده أمين شرطة بالقتل، لو طالبه بجنيهين ثمن كوب شاي.

ليس أنبل ممن خرجوا في “جمعة الغضب” يواجهون بصدور عارية نظاما بوليسيا يترأسه مبارك، وقد تطوع البعض من الكتبة بصنع أسطورته كقائد عسكري في حرب 1973، إلا أنه خرج من التاريخ بحكم قضائي نهائي.

وليس ذنب الثورة أن الذين شاركوا فيها ببراءة، واستشهدوا وجرحوا ولوحقوا وسجنوا ظلما، لا يتمتعون بدهاء معاوية، ومناوراته التي مكنته من خطف بالرسالة، ومنع عن أحفاد الرسول نصيبا من الحكم، وجاء ابنه ليحرِم الناجين من القتل حظَهم من الإيمان، فشيطنهم، كما تجري شيطنة 25 يناير 2011، على أيدي كتبة مبارك الذين ورثهم عبدالفتاح السيسي، ورضي عنهم ورضوا عنه، ولا يكفون عن وصف 25 يناير بالمؤامرة.

القضاة ورجال الدين والعسكريون هم ثلاثي أعداء الثورات. وكلما انتكست الأمور في مصر بسبب الارتجال وسوء الإدارة، والاستبداد بالرأي، والإصرار على خنق الفضاء العمومي، وجهوا إصبع الاتهام إلى 25 يناير. وساءهم نجاة تونس من لَغْـوصة غير ثورية انتهت إليها الثورات العربية، واعتبروا دعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، في 13 أغسطس 2017، إلى إنهاء التمييز بين الرجل والمرأة والمساواة بينهما في الميراث، إحدى ثمار “الربيع العبري”.

أما الأزهر- الذي يبخل ببيان يترحم فيه على من يقتلون بسلاح الشرطة ويتبين براءتهم- فاستعد بترسانة أسانيد وأقوال مكررة للرد على اقتراح السبسي، بداية من تصريح وكيله عباس شومان، ومرورا ببيان شيخه أحمد الطيب، وليس انتهاء بمقال أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر عبدالمنعم فؤاد الذي أعلن موقفه من الثورات العربية في مقاله بصحيفة الأهرام (23 أغسطس 2017)، بعنوان “الأزهر وقضية الاجتهاد والمواريث”.

لا يفرق رجال الدين ولو نالوا الدكتوراه بين خطابة منبرية في المساجد، والكتابة باعتبارها فنا لا يستحب فيه الصراخ الإنشائي مثل قوله “فمصر بلد العلماء والأدباء وأكابر الشعراء وتصدر علوم الدين والدنيا إلى العالم منذ القدم، وما نرجوه أن يشعر هؤلاء الذين يثيرون المشاعر ويفتحون الباب بأفكار مستوردة لضرب الاستقرار الأسري أن يراعوا أن مصر أمانة في أيدينا، وأنها لا تبنى الأسر بشعارات زائفة، إنما بتلاحم ثقافي متزن وتفكير غير جامح”، وهو يعيد حرفيا قول شيخ الأزهر إن أحكام المواريث “لا تقبل الخوض فيها بفكرة جامحة”. ولهما معا يكفي التذكير بأن التاريخ لم يتقدم بغير كثير من الجموح، وأفكار مجنونة أو هكذا كانت.

لا يعرف القارئ هل المقصود بالاستنكار هو الباجي قائد السبسي أم الفرحون في مصر باقتراحه؟

دعنا من هذا التشويش الزاعق لكي نصل إلى ما أريد التوقف عنده، إذ يقول أستاذ الفلسفة “فمنذ أن ابتلينا بما يسمى بالربيع العربي سمعنا عن وظائف غريبة وعجيبة، فهذا: ناشط سياسي وآخر فيسبوكي وثالث باحث شرعي ورابع مفكر إسلامي”. أليس هذا الابتلاء من مآثر ثورات أزاحت الستار عن أفكار حبيسة، وجيوش ممن يحيون بيننا بعقول تمضي في بوادي القرن السابع الميلادي؟

كثرة أعداء 25 يناير 2011 خير دليل على أنها الحق. وحين تنجح الثورات ستترك أنصار الماضي هناك، فرحين بفردوسهم، وتمضي إلى المستقبل، إلى حتميتها التاريخية وأقدار لا فكاك منها.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر