الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

امرأة الأساطير

وظيفة الآلهة الأنثوية ظلت تجمع بين عناصر القوة والخصب حتى تم توحيد الآلهة في الدولة الفرعونية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/09/12، العدد: 10749، ص(15)]

حتى وقت قريب واظب دارسو الأساطير على دراستها وتحليل وظائفها ودلالاتها في ضوء مناهج مختلفة، طبيعية واجتماعية وسيكولوجية وبنيوية. في هذا العالم المكون من آلهة وأنصاف آلهة كان وجود البشر فيها مجرد عنصر مكمل، على الرغم من أن مؤلفيها المجهولين من البشر.

تعددت هذه الأساطير بتعدد الثقافات التي أنتجتها، ولذلك عمل المنهج المقارن على مقاربة هذه الأساطير لمعرفة عناصر الاختلاف والائتلاف فيها، للوصول إلى الجامع المشترك في التصور والمراحل التي مرّ فيها تطور العقل البشري في الحضارات القديمة. في هذا السياق كانت المرأة آلهة الخصب والجمال هي الأكثر انتشارا في هذه الحضارات. لكن وظيفة الآلهة الأنثوية ظلت تجمع بين عناصر القوة والخصب حتى تم توحيد الآلهة في الدولة الفرعونية. مع هذا التحول أخذت الآلهة الأنثوية تختفي وتبدأ مكانة المرأة بالتراجع بصورة كبيرة، حتى أصبحت عنوانا للدنس والغواية.

لقد شكل هذا التحول المرحلة الأهم في تتويج السلطة الذكورية تاريخيا واجتماعيا وثقافيا. خوف الرجل الدائم من المرأة ظل ماثلا في وعي ولاوعي الرجل، لذلك ظلت المرأة في هذه الأساطير مزيجا غريبا من آلهة الحب والجمال والشر. من خلال هذه الثنائية التي انطوت عليها رمزيتها، إلى جانب ما تمثله كأم وأخت وجسد مشتهى نشأ البعد الدرامي لهذه العلاقة الرمزية بأبعادها الضدية، وما انطوت عليه من تأثيم وتعظيم. الأساطير القديمة انطوت هي الأخرى على هذه الثنائية الضدية، عشتار وباندورا، حواء وفينوس.

على الرغم من ذلك ظل الشعر في مراحل تاريخه المختلفة يعكس هذا الطابع الدرامي للعلاقة وما تتسم به من ثنائية ضدية. تعظيم المرأة وتمجيدها كان يقابلهما تأثيم المرأة وتحقيرها. أكثر المدارس الشعرية تمثلا لهذه الثنائية الضدية كانت المدرسة الرومانسية.

على خلاف ذلك كان موقف الصوفية تعظيما للمرأة وتبجيلا لها. حنين الشعر في بعض تجاربه الحديثة لاستعادة المعنى الرمزي الكبير للمرأة في هذه الأساطير، كان تجديدا لعلاقة الشعر بالأسطورة على هذا المستوى من جهة، ولعلاقة الشاعر بالعالم من جهة ثانية، حتى ذهب شاعر كأراغون إلى اعتبار المرأة مستقبل العالم، بينما اعتبر آخرون أن المرأة ليست جزءا من العالم، بل هي العالم.

لقد كانت استعادة الشعر الحديث لعلاقته بالأسطورة نتيجة لجفاف العقل الذي كرست الحداثة سلطته في حياة الإنسان الحديثة، ما أدى إلى تراجع الجانب الروحي وسيطرة العلاقات المادية. مقابل ذلك كان على الشعر أن يستعيد علاقته مع منابعه الأولى، ويفتح المخيلة على فضاءات رحبة، كانت المرأة بحكم معانيها الكبيرة وقيمتها الرمزية والجمالية إحدى أهم علاماتها القديمة-الجديدة.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر