الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الرواية والربيع الدامي

في ظل الحوافز المادية والمعنوية غابت الانتفاضات العربية وتداعياتها الكبيرة والواسعة عن أغلب الأعمال، على الرغم من زلزالها الذي لم تتوقف مفاعيله.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/09/19، العدد: 10756، ص(15)]

الإغراءات الكبيرة التي أصبحت تمثلها الكتابة الروائية للكتّاب والكاتبات العرب، جعلت التزاحم على كتابتها يزداد سنة بعد أخرى حتى من قبل شعراء معروفين، وكأن هذه الكتابة أصبحت دليلا على كفاءة الكاتب ونجاحه إبداعيا.

لقد نجم عن هذا التحول تزايد كبير في عدد الأعمال الروائية التي تطبع في كل عام، وأيضا زيادة موازية لها في عدد الأسماء الروائية التي تتصدر المشهد الأدبي.

عوامل عديدة ساهمت في هذا التحول لعل أهمها عدد الجوائز التي تمنح سنويا لكتّابها، إضافة إلى الاهتمام الإعلامي الواضح الذي يرافق الإعلان عن نتائج هذه الجوائز في كل عام.

المثير للدهشة هنا أن هذا الكرم المادي والإعلامي لم يكن متاحا للشعراء العرب حتى في فترة ازدهار الشعر وتصدره للمشهد الأدبي، ما يستدعي طرح السؤال عن الدوافع والأسباب التي حدت بالجهات المانحة للجوائز إلى إظهار هذا السخاء في تكريم الرواية وكتابها.

لا يحمل هذا السؤال موقفا سلبيا من ماراثون هذه الجوائز، وإنما يحاول أن يفهم أسباب هذه الظاهرة، خاصة وأن الثقافة العربية ومؤسساتها تعيش حالة من انعدام التوازن وغياب الرؤية والفاعلية.

في ظل هذه الحوافز المادية والمعنوية غابت الانتفاضات العربية وتداعياتها الكبيرة والواسعة عن أغلب هذه الأعمال، على الرغم من زلزالها الذي لم تتوقف مفاعيله وتأثيراته الواسعة على الواقع والمستقبل العربي بعد.

يبرر البعض من كتّاب وكاتبات الرواية غياب هذا الانشغال الإنساني والوجودي والسياسي، بحاجة الرواية إلى مرور زمن حتى تنضج رؤية الكاتب، وتتضح صورة المشهد أكثر، وكأن الرواية العربية مطلوب منها أن تقدم قراءة تحليلية للواقع وتداعياته التي مازالت تعصف بهذا الواقع.

إن مرور ما يزيد على سبع سنوات على هذا الانفجار الشعبي الكبير، كان كفيلا بأن يجعل وعي الكاتب/ة الروائي ينفتح بعمق أكثر اتساعا على جحيم هذا الواقع وانتكاساته، ولا سيما ما يتعلق منه بالجانب الإنساني والوجودي، نظرا إلى حجم الآلام والعذابات والموت والدمار الذي جعل ما بعد هذه الانتفاضات هو غير ما قبلها.

ثمة الكثير والكثير من سرديات هذا الواقع الفاجع والدامي ما يمكن أن تتمثله الكتابة الروائية، لكن موضوعا كهذا ليس مرغوبا في ما يبدو بالنسبة إلى القائمين عن الجوائز، ولذلك يسعى الكاتب/ة إلى الهروب منها إلى سرديات وقضايا أخرى تؤهلها للدخول في سباق هذه الجوائز المغرية.

لقد جعل هذا الواقع العديدَ من الكتاب والكاتبات والناشرين يسابقون الزمن في عملية النشر وفقا لمواعيد هذه الجوائز وعلى إيقاعها، ليبدأ بعدها الاشتباك الإعلامي الذي لا يتوقف حول الأعمال الفائزة وموضوعية لجان التحكيم في اختيار هذه الأعمال.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر