الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

اغضب

لم يكن من المجدي بالنسبة لي أن أخرج من البيت لأمرح وأستمتع وأفتعل الفرح المزيف.. بل لقد فكرت فجأة بأن جل ما يمكنني فعله الآن هو أن أغضب.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/09/20، العدد: 10757، ص(21)]

“هل تشعر بالكسل ولا تجد في نفسك المزاج أو الرغبة في فعل شيء؟ إليك ما ستغير به حياتك!”.. بهذه العبارة ابتدأ رافاييل ايلياسن الحديث عن تجربته الشخصية مع الكآبة.. يقول إنه في تلك المرحلة كان قد وصل إلى درجة من الكسل واللامبالاة يصفها بأنها أوطأ درجات اليأس التي يمكن أن يصاب بها الإنسان.. وكان الإحساس بالإحباط المتكرر والفشل واللاجدوى قد وضعه في الدرك الأسفل من الكآبة..

ويمضي قائلا “كنت مستلقٍيا هناك وأنا أستعذب دور الضحية.. لم أكن منزعجا أو غاضبا أو حانقا على شيء أو على أحد.. كانت الكآبة الحادة قد أوصلتني إلى تلك النقطة من الإحساس بالهزيمة وبالعجز والخسارة واللامبالاة بأي شيء.. لم يكن يعنيني حزن أو فرح.. كنت مستسلما تماما لقدري الذي أوصلني إلى ذلك المكان الكئيب والموحش.. وقد أقنعت نفسي أنني أصلا لن أستطيع فعل أي شيء إزاء حالتي..”.

فما الذي كان يمكنه أن يحوّل حالته الموغله في الاستسلام والسلبية إلى التحرك نحو فعل شيء؟.. أي شيء يضعه في مواجهة نفسه وما كانت قد آلت إليه.. فاليأس داء خطير إذا ما حل في فكر أطاح به.. والكسل واللامبالاة وانعدام الدافع للفعل أو للحركة هي من أشد أعراض اليأس والقنوط..

ويقول المختصون إن الطريقة الأسرع والأكثر نجاحا في التعامل مع اليأس لا يمكن أن تتم بافتعال الأمل.. بل بتغيير وجهة نظر العقل أو عبر زرع الشك في اليأس نفسه.. وكان ما توصل إليه رافاييل في تجربته مع اليأس قريبا جدا من هذه الفكرة.. فيقول “لم يكن من المجدي بالنسبة لي أن أقوم وأن أغتسل وأخرج من البيت لأمرح وأستمتع وأفتعل الفرح المزيف.. بل لقد فكرت فجأة بأن جل ما يمكنني فعله الآن هو أن أغضب!.. بلى أن أغضب من نفسي قليلا وأن أحنق عليها وعلى استسلامها لفشلها.. وعلى حياتي وتلك الطريقة البائسة التي كنت أعيشها.. لا لأنني كنت أمتلك الدافع لفعل شيء ولا لأنني كنت أمتلك أملا في داخلي ولكن فقط لأنني كنت قد ضقت ذرعا بما وصلت إليه..”.

ولا شك أن العلاج يبدأ بالتشخيص وبرؤية العلة وأسبابها.. أي أن نبحث عن الـ”لماذا” التي أوصلتنا إلى الأزمة.. واليأس طاقة.. ومن الممكن أن تكون طاقة سلبية مدمرة بشكل كامل.. ومن الممكن أيضا أن تكون وقودا يحركنا باتجاه معاكس تماما لذلك الكسل المريح والقاتل في آن..

“أنا غاضبة وممتعظة ومحبطة ولا أريد خوض المزيد من تلك التجربة المؤلمة!”.. هذا ما قالته آندي وتسون لطبيبها النفسي.. بعد أن جعلها اليأس أسيرة للكآبة ولجملة من الأمراض العضوية والنفسية.. فقررت أخيرا أن تجد العلاج لحالتها.. وكان غضبها من ذلك النوع الذي أطلق عليه المختصون اسم الغضب الإيجابي.. فلحظة قرارها بتحويل اليأس والكسل إلى غضب كانت جديرة بإشعال فتيل الحركة لتكون تلك خطوتها الأولى للعلاج..

ولذا فليس مطلوبا منا أن نتناول قرصا سحريا يقيم ثورة في حياتنا ويحولنا من يائسين محبطين إلى متفائلين فاعلين.. مطلوب منا فقط – بحسب صديقنا رافاييل ايلياسن – أن نغضب.. ولكن حذار من جرح الأحاسيس وتحطيم أواني الزهر والمرايا بحسب نزار قباني..

صباحكم أمل متجدد..

شاعرة عراقية

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر