الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

متشائمون من المصالحة

ما يطلبه الناس هو العودة نهائيا إلى وضع ما قبل يونيو 2007، وإنهاء كل مظاهر الميليشيات الخارجة على القانون والبلطجة، ومحاربة الفساد، والقبول بالتعددية، وبناء أركان دولة تستحق الحياة.

العرب أحمد فايز القدوة [نُشر في 2017/09/21، العدد: 10758، ص(9)]

حين يتصالح المتخاصمان في فلسطين علينا أن نشاهد المسلسل إلى نهايته، لا أن نحكم عليه بالفشل قبل بدء عرضه، علينا ألا نكون متشائمين حد الاستهانة بقدرة فتح وحماس على إنجاز اتفاق “مشرّف”. قد ينجحان هذه المرة ويحققان ما فشلا فيه طوال السنوات العشر الماضية. لكن ما الذي يجعل التشاؤم سيد الموقف على الأقل في اللحظة الراهنة؟

عشر سنوات كافية لعدم تصديق “كذبة” المصالحة بين فتح وحماس. بعد مرور أسبوع واحد فقط قد ينسى الجميع ما اتفقوا عليه، لأن الإرادة السياسية ليست موجودة لإنهاء معاناة الشعب القابع تحت رحمة ميليشيات تحتكم إلى إيران وقطر وتركيا وسلطة تسير وفق نهج دايتون وإخوانه.

محمود عباس وإسماعيل هنية استفادا كثيرا من الانقسام ويعيشان عليه. لا تروق لهما رؤية الناس البسطاء يتنفسون قليلا بعد سنوات القهر والتعب والمرض النفسي والإنهاك الجسدي. لا يهم عباس سوى حاشيته، ولا يهم هنية سوى قبيلته “حماس″ وبقاء تمسكها بالعصا في غزة.

ربما لم يحن بعد موعد التصالح، ما يبحث عنه هنية وعباس في القاهرة هو طوق النجاة لسلطتيهما الفاشلتين. التجارب السابقة كانت قاسية جدا، مزقت كل شيء بين الفلسطينيين وضيعت كل علاقة “انتماء وتضحية” للقضية التي عمرها أكثر من 80 عاما. هل يفهم عباس وهنية معنى التصالح هذه المرة؟

غابت فرحة المصالحة. لم يعد لها وجود في القاموس الشعبي ولم يخرج الناس في مسيرات للتعبير عن الفرح لأنهم اعتادوا على فشل ساستهم وكرهوا فكرة التسويق الكاذب لاقتراب الوصول إلى اتفاق.

عباس وهنية اتفقا على ألا يتفقا داخليا، وتوافقا على الاستمرار في إذلال الخصوم ومن لا ينتمي إلى دكاكين السلطة.

ما جرى في القاهرة قبل أيام ليس سوى تسجيل للنقاط في قوائم الخصوم ورمي للكرة في ملعبهم. وهذه تجارة رائجة في سجل من يحكم فتح وحماس. لا يفيد إعلان حلّ لجنة إدارية في ظل تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي في غزة التي زادت فيها البطالة بنسب تفوق الخيال و80 بالمئة من سكانها يعيشون تحت خط الفقر.

لماذا التشاؤم؟ هذا التشاؤم هو ما زرعه المتقاتلان على سلطة اللاسلطة. كم عدد الاتفاقات الموقعة بين فتح وحماس؟ سنجد أنها تفوق الاتفاقات التاريخية الكبرى على مدار مئة عام. اتفقت فتح وحماس في الدوحة ودمشق وصنعاء والقاهرة في أكثر من مناسبة. لم تنجح أيّ جهود لإنهاء إهانة القضية.

كانت نتائج الاقتتال الداخلي كارثية بكل المقاييس على المستويات الشعبية والوطنية. وأثّرت على كل نواحي الحياة حتى جعلت من الانتحار “موضة” للفرار من الموت البطيء في الحياة.

من الوقاحة السياسية أن يتبادل عباس وهنية شروط التصالح بينهما بشرط الحياة للفقراء في غزة. ما معنى حل اللجنة الإدارية مقابل العودة عن الإجراءات العقابية بحق السكان؟

ما يطلبه الناس هو العودة نهائيا إلى وضع ما قبل منتصف يونيو 2007، وإنهاء كل مظاهر الميليشيات الخارجة على القانون والبلطجة والقتل على الانتماءات الحزبية، ومحاربة الفساد والفاسدين، والقبول بالتعددية السياسية، وبناء أركان دولة تستحق الحياة.

صحيح أنه يعوّل كثيرا على القاهرة في إحداث نقلة نوعية في ملف المصالحة الداخلية، لكن الأهم هو القدرة على هزيمة الشيطان الكامن في التفاصيل. ملفات كثيرة مازالت عالقة منذ سنوات، والأهم لإنجاح أي وساطة حسم مسألة العلاقة مع إسرائيل وشكل الصراع معها: هل هو بالتفاوض أم بالمقاومة؟ فهذا من الأسباب الأساسية التي أدت إلى اقتتال يونيو 2007.

لن يجرؤ هنية الآن على التفاوض بشأن هذا الملف، لأنه يطمح إلى رئاسة السلطة ويريد أن يبقى مردّدا “الموت لإسرائيل” لكسب عطف الجماهير. هو يريد الفوز بحصة الأسد من السلطة لا غير. ولن يجرؤ عباس على المضي في اتفاق مع حماس لأنه يخشى إغضاب تل أبيب التي توفر له ممرا آمنا في الضفة.

قد تعود حكومة رامي الحمدالله إلى غزة لكن ينتظرها الكثير. ستنجح وتفشل لكن إرادة النجاح الكاملة لم تتوفر الآن بفعل التغيرات الداخلية والإقليمية في المنطقة.

يبدو أن تفاهمات حماس مع القاهرة أعمق كثيرا من اللجوء إلى تفاهمات مع سلطة عباس في رام الله. لأن التفاهمات الأولى هدفها واضح هو تخفيف معاناة السكان الذين عاشوا ويلات الحروب والقتل والتعذيب خلال السنوات الماضية. أما التفاهم الأخير فهو لتسجيل نقاط وكسب مراحل في الانقسام الداخلي لصالح جهة على حساب أخرى.

من الملفات الكبيرة التي قد تعطل أيّ تقدم ملف موظفي حماس الذين يقارب عددهم الـ40 ألف موظف وقوات أمنية أسستها في غزة من جناحها العسكري وفصائل موالية لها. كلها قد تكون من العوائق في حال لم توجد لها صيغة قانونية وسياسية. حتى اللحظة كل من في غزة متشائم إلى أن يرى غير ذلك.

صحافي فلسطيني

أحمد فايز القدوة

:: مقالات أخرى لـ أحمد فايز القدوة

أحمد فايز القدوة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر