السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

شيوخ إفتاء لا يعلمون أن من الفتوى أيضا قول 'لا أعلم'

  • رجال الدين في العالمين العربي والإسلامي، مازالوا يتدخلون في قضايا تهم العلماء وأهل الاختصاص، اعتقادا منهم أن كتب التشريع بإمكانها أن ترد على كل الأسئلة، غير آبهين بمنطق الزمان والمكان وقوانين التطوّر، وهم لا يكتفون بهذا التعدّي السافر على اختصاصات غيرهم، بل يعمدون إلى تكفير من يخالفهم الرأي، وتستمر هذه الذهنية التعسفية دون رادع أخلاقي أو قانوني.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/09/27، العدد: 10764، ص(13)]

أين العلماء من فتاوى اتحاد علماء المسلمين؟

استكثر عليّ يوم الإجازة أن يكون فرصة للابتعاد عن مسببات التوتر، فلاحقني بفتاوى رسمية وأهلية تدخل في باب الفكاهة المريرة، ويمكن لغيري أن يراها مصطنعة اصطناعا لإلهاء الناس وشغلهم عن قضايا أكثر أهمية، ليس منها بالطبع انتحار المركبة الفضائية "كاسيني" احتراقا في الغلاف الجوي لكوكب زحل، لتنهي مهمة استمرت فيها 20 عاما لاكتشاف آيات الله في الآفاق.

علماء وكالات الفضاء الأميركية والإيطالية والأوروبية تابعوا المركبة "كاسيني"، منذ أن أطلقوها لفهم أسرار الكواكب الأخرى في النظام الشمسي. وفي نهاية مهمتها أبى أستاذ للفقه المقارن بجامعة الأزهر إلا أن يتطوع، في التوقيت نفسه، بفتوى لا تستهدف فك ضائقة أحد، فتوى لم يقل المفتي من سأله عنها، لكي يبشره بأن "معاشرة الزوج لزوجته الميتة حلال، وليست زنا، ولا يقام عليه الحد، لأنها شرعا زوجته".

لا أظن من يرتكب مثل هذا السلوك إنسانا سويّا يبحث عن مسوغ شرعي لانحرافه النفسي، لكي يفتي أستاذ الفقه المقارن بلغو ينافي الذوق والفطرة الإنسانية. هذه الفتوى إحدى ثمار أفق نصي منغلق سيتكفل بنسفه التطور الأخلاقي الذي ينسخ النص، ويتجاوزه. ولكن من غير المفهوم ألا يأخذ مسؤولو الفتوى الرسميون بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فلا يتذكرون حديث "أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار"، وهم يجيبون عن سؤال ربما ينفق مؤرخ وأثري فيه عمره، ولا يصل إلى مشروع للإجابة عنه: من هو فرعون موسى؟

القضية تبدو في حالة رمسيس كأنها نوع من جلد الذات، أو مصادفة سيئة توافق البحث عن عدو يليق بخرافات اليهود

دار الإفتاء المصرية أجابت "أرجح الأقوال عند المفسرين وعلماء التاريخ أن فرعون نبي الله موسى هو رمسيس الثاني.. وإن كان هناك رأي آخر يرى أن نبي الله موسى قد عاصر اثنين من الفراعنة؛ فقد كان الشيخ رشيد رضا رحمه الله يرجح أن فرعون موسى هو منفتاح، يقول: والمرجح عند المتأخرين من المؤرخين الواقفين على العادات المصرية أن فرعون موسى هو الملك منفتاح، وكان يلقب بسليل الإله رع، وقد جاء في آخر الأثر المصري الوحيد الذي ذكر فيه بنو إسرائيل، وهو المعروف برقم “43025” المحفوظ في متحف مصر".

إذا كان هناك سائل حقا، فكان على دار الإفتاء توجيهه إلى العنوان الصحيح، وهم "الراسخون في العلم" من المؤرخين والأثريين. وأغلب الظن أن المشايخ لم يدرسوا التاريخ المصري القديم، ولا يحيطون بعلم المصريات حيث تحظى بلادهم بتخصيص علم باسمها لا يجهله سواهم. وأمام العجز عن الإجابة يسهل القول إن القرآن ليس كتابا في التاريخ، ولا يوثق سيرة أحد، "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"، ولو كان الملك رمسيس الثاني معاصرا للخروج لأراحنا الله بتحديد اسمه، وزمن وجوده، حين قص حكايته في القرآن الذي تضمن "أحسن القصص"، بهدف الاعتبار لا التوثيق التاريخي.

لقبتُ رمسيس بالملك لا الفرعون، وحين أقرأ لقب "الفرعون" أو أسمعه، فإنني تلقائيا أنصرف عن القراءة والسماع، وأتهم القائل بالجهل أو الاستسهال؛ فلم يكن "فرعون" اسما لملك مصري ولا لقبا، والكلمة تعني البيت الكبير، كما كان يقال الباب العالي لمركز الحكم في الدولة العثمانية. وقد نجحت الآلة الدعائية الصهيونية قبل تأسيس كيانها المعادي في فلسطين في اصطياد الملك رمسيس، حين اختارته "فرعونا" للخروج الذي يسهل أن ننفي أن تكون مصر مسرحا له، فلم يسجل مؤرخ أن تاريخها القديم عاش فيه مصريون يحملون أسماء: قارون وهامان.

لا يملك الذين يتجرأون على الفتوى فضيلة التواضع، ولا يعرفون أن من الفتوى أيضا قول "لا أعلم". وقبل سنوات قرأت كتاب "البيان في روائع القرآن" لتمام حسان، وهو أستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة وليس متخصصا في التاريخ أو الآثار، ولكن الأمر إذا تعلق برمسيس فكأنك في ميدان عام، وترى الناس يضربون شخصا ويسبونه. في الزحام لن تتحقق أو تسأل، بل ستصب غضبك من أشياء أخرى وأشخاص آخرين على الرجل المضروب. وتبدو القضية في حالة رمسيس كأنها نوع من جلد الذات، أو مصادفة سيئة توافق البحث عن عدو يليق بخرافات اليهود.

خصص أستاذ علم اللغة فصلين عن قصة يوسف وبني إسرائيل في القرآن، وقال "إذا افترضنا أن يوسف ظهر في عهد الأسرة الخامسة عشرة، وبينه وبين موسى أسرتان ملكيتان هما السادسة عشرة والسابعة عشرة، فلربما رأينا الزمن بين هذين النبيين كافيا لنشوء جالية إسرائيلية محدودة العدد مجتمعة في إقليم واحد، بحيث يمكن أن يقودها إلى الخلاص شخص واحد".

المشايخ المتطفلون لم يدرسوا التاريخ المصري القديم، حيث تحظى بلادهم بتخصيص علم باسمها لا يجهله سواهم

في البحث لا يكفي ولا يشفع للمؤلف الهاوي أن يقول "افترضنا" و"ربما"، وكأنه يردد مقولات العهد القديم الأسطورية، ويتطوع بقول "كلام" يحاول أن يرتقي به إلى مستوى "الحقيقة"، ويذكر قرائن وإشارات، مخالفا قواعد ومبادئ التحقيق العلمي في إثبات الشيء بأدلة قاطعة. ويقول أيضا بوجود قرائن تشير إلى أن فرعون موسى هو رمسيس الثاني، من هذه القرائن، أن رمسيس الثاني صاحب أطول مدة قضاها أحد الفراعنة على عرش مصر، وهي زمن يمكن أن يولد فيه الإنسان ويشب ويبلغ مبلغ الرجولة كما وقع لموسى، ثم إن في أخلاق هذا الفرعون جانبا من العدوان والتسلط وحب الذات وعدم الأمانة جعله لا يبالي أن يمحو أسماء الفراعنة السابقين من بعض الآثار ليسجل اسمه عليها فيسرق تاريخهم ليضيفه إلى نفسه. فلا عجب أن يقف من بني إسرائيل أولا ومن موسى ثانيا مثل هذا الموقف.

أما القرينة الثالثة فتحمل عبرة أكثر مما تحمل دلالة جازمة، إذ اكتشف القائمون على الآثار في مصر أخيرا أن مومياء رمسيس الثاني تعاني من نمو بعض الطحالب فيها وأنها الوحيدة من مثيلاتها التي ظهرت فيها هذه الآفة ومن ثم أرسلت إلى فرنسا لعلاج هذه الظاهرة. والمعروف أن الطحالب كائنات مائية فنموها دليل على تعرض موضعها للماء وإذا كان الأمر كذلك فإن مومياء رمسيس تكون قد تعرضت ذات يوم للماء أي الغرق في البحر.

كلام مرسل يحمل اتهامات متهافتة، ويمكن استخدام هذا الخطاب في نقضه، فقد كان هذا الملك بناء عظيما، حكم سبعة وستين عاما، ملأ فيها البلاد بآثاره ومنشآته، فكيف يتفق هذا مع آية تدمير آثار فرعون "وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون"، وكذلك آية "فدمرناهم تدميرا". لماذا لم ينل هذا التدمير من آثار رمسيس الثاني وصروحه المعمارية التي لا يكاد موقع مصري يخلو منها؟ ألا تبرئ هاتان الآيتان رمسيس من أساطير إسرائيلية اختارته كرمز لأشهر ملوك الدولة الحديثة (عصر الإمبراطورية 1567 ـ 1200 قبل الميلاد) ـ للانتقام من مصر والمصريين.

لم يقل المؤرخون والأثريون إلا إن رمسيس مات في فراشه "موتة ربنا". هذا وحده سبب كاف للشفقة على الغافلين عن موت الملك في الثالثة والتسعين، فكيف يخرج في هذه السن، على رأس جيش لمطاردة قوم موسى؟ ويقول العهد القديم "فشدّ فرعون مركبته وأخذ جيشه معه"، ثم طرحهم "الرب في وسط البحر. ورجعت المياه فغطت المركبات والفرسان وجميع جيش فرعون الذين دخلوا وراء بني إسرائيل في البحر، وما بقي منهم أحد".

توفي أبناء رمسيس في حياة أبيهم إلا مرنبتاح (يسميه رشيد رضا "منفتاح")، وقد خلف أباه، ودام حكمه أقل من ثلاثة عشر عاما. فترة لا تسمح بميلاد طفل ونشأته وقتله مصريا وهروبه، ثم عودته إلى هداية الملك.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر