الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

حسقلة وحوقلة

شخصياً ورثتُ عن اليهود العرب مما درسته في تاريخهم وعاداتهم بعض الصفات، من بينها الحسقلة في العمل. وهذه لمن لا يعرفها، صفة مشتقة من اسم وزير المالية العراقي ساسون حسقيل.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/09/29، العدد: 10766، ص(24)]

توفي في القدس قبل أيام شموئيل موريه، الشاعر والباحث العراقي الذي ولد عراقيا وعاش ومات عراقيا، رغم التهجير القسري الذي تعرّض له بداية الخمسينات من القرن الماضي. لم يسمّ نفسه في يوم من الأيام “مستوطناً في إسرائيل”، بل هو “مهجّر” عن وطنه الأصلي حيث حنون وحي البتاوين في بغداد ذلك العراق.

كان لموريه اسم آخر يعتز به هو اسمه العربي “سامي المعلم” هذا الاسم الذي يمكنك أن تجده في أطروحات الماجستير والدكتوراه في تاريخ الأدب وتحقيق المخطوطات على امتداد العالم العربي، كواحد من أهم مراجع الأدب العباسي، ناهيك عن تاريخ عبدالرحمن الجبرتي الذي وضع فيه المعلم موسوعة ضخمة.

اسمه العراقي يذكرنا بجده الحاخام مائير معلم رحمين الذي طبع كتابه “مقتطفات من كلام الرب” في مطبعة إليشاع شوحيط شقيقة مطبعة دنكور التي كانت تطبع المصحف (القرآن الكريم لمن لم يفهم) في بغداد. حين كان الشاعر أنور شاؤل يقول “إن كنتُ من موسى قبستُ عقيدتي/فأنا المقيم بظلّ محمّدِ/ وسماحةُ الإسلام كانت موئلي/ وبلاغةُ القرآن كانت موردي/ما نال من حبي لأمة أحمدٍ/ كوني على دين الكليم تعبّدي/ سأظلُّ ذيّاكَ السموأل في الوفا/أَسَعِدتُ في بغدادَ أمْ لم أَسْعدِ”.

ترك المعلم كتبا ثمينة رغم أنها ما تزال ممنوعة في العالم العربي مع الأسف، مثل كتابه “الشعر العربي الحديث 1800-1970” وغيره من الأعمال الزاخرة بحب العربية وآدابها.

وكان متهكماً خفيف الظل، مكّنتني فترة صناعة مقالتي عنه في صحيفة العرب، المنشورة قبل أعوام والتواصل معه خلالها، من أن أصبح صديقاً له، فكان يتصل بي أسبوعياً، حتى قطع جناح ملاك الموت الخط بنفسه.

قال إن ما لفته في أعمالي الأدبية، وكان هو أحد شخوصها، ما سماه بالوصف الدقيق لموقف المسلمين واليهود المتطابق في بلاد الشام والعراق من غزو جيش إبراهيم باشا المصري في القرن التاسع عشر وما جلبه معه من عادات غريبة على مجتمعاتنا، خرّبت توازن الصور والأشكال والآداب في ما بيننا لاحقا.

قال موريه إن هذا الأمر جدير بأن يبحث فيه اليهود لأنه يبرهن على مرحلة حساسة لم يكونوا يسعون فيها إلى حماية القناصل الأوروبيين كما يشاع عنهم.

شخصياً ورثتُ عن اليهود العرب مما درسته في تاريخهم وعاداتهم بعض الصفات، من بينها الحسقلة في العمل. وهذه لمن لا يعرفها، صفة مشتقة من اسم وزير المالية العراقي ساسون حسقيل الذي هدم الحكم الحالي في بغداد داره العام الماضي بدلا من تكريمه وشكره. حسقيل كان متشددا ومخلصا في عمله حتى انزعج العشوائيون من تزمّته ذاك وأخذوا يقولون لبعضهم البعض “لا تحسقلها”، أي أرخ لها العنان حتى تصبح الأمور مثل حالنا اليوم، فوضى لا يلجأ فيها الناس عندنا إلا إلى “الحوقلة”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر