الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

ألكسندر غاولاند وخديعة انقسام النازيين الجدد

السياسي ألكسندر غاولاند يعرف بانفعالاته وتسلط لسانه فالألمان لا يتسامحون مع شخصيته وتصريحاته المضادة للاجئين الذين يعتبر أزمتهم 'هدية'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/09/30، العدد: 10767، ص(12)]

ألكسندر غاولاند خلايا اليمين الألماني تتكاثر سرطانيا من 'البديل' إلى 'الزرق'

برلين- كما كان لأميركا وجهها الجميل الذي كانت مهمته إخفاء قبح القرار العسكري بشن الحرب على فيتنام، وكان ذلك الوجه هو مارلين مونرو، كان لا بد للنازيين الجدد من أن يقدموا لنا وجهاً جميلاً في صدارة تحركاتهم من أجل الوصول إلى البرلمان. وهو ما كان. فقد قادت فراوكه بيتري حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف طيلة السنوات الماضية، بينما قاد تشكيلاته من الخلف نائبها ألكسندر غاولاند.

ولكن ما إن وطأت أقدام بيتري ومجموعتها مبنى البوندستاغ حتى تقدمت باستقالتها مع فريقها، مفسحة المجال للقيادة الحقيقية لتكشف عن وجهها، ومنتقلة إلى طور جديد تمثل في تأسيس حزب يميني متطرف ثان أطلقت عليه اسم حزب “الزرق”.

اللاجئ المنشق عن ميركل

غاولاند هذا قادم من حزب ميركل الاتحاد المسيحي الديمقراطي، انشق عنه في العام 2013. يقول عن هذا ” غادرت الحزب بعد أن حولته ميركل إلى حزب آخر”، مبررا ذلك بأن المحافظين كلهم قد غادروا الحزب.

ولد في فبراير في العام 1941 في بيت ضابط الشرطة ألكسندر غاولاند الذي تقاعد في العام 1936 في ساكسونيا. هرب غاولاند الابن من جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى ألمانيا الغربية. وبدءاً من العام 1960 درس غاولاند التاريخ والعلوم السياسية والفقه في ماربورغ وفي جامعة جيسن.

في ماربورغ تعرف غاولاند على الطلاب المسيحيين الديمقراطيين. وفي العام 1970، تخرج محاميا من ذات الجامعة. وخلال مسيرته الحزبية عمل في مجلس مدينة فرانكفورت وفي وزارة البيئة.

مؤخرا ظهر غاولاند في لقاء تلفزيوني مع دويتشه فيليه قائلا إن برنامجه حالياً لا يقتصر على الحديث عن اللاجئين والأجانب كما يشاع، بل إن لديه في حزب البديل هموما أخرى مثل “إنقاذ اليوور والطاقة. لدينا الآن برنامج ولكن خلال 40 عاماً من عملي مع الاتحاد الديمقراطي لم يكن هناك أي برنامج ولم أقرأ شخصياً أي برنامج للحزب”.

سبق لغاولاند أن طالب بفرض حظر واسع النطاق على سفر المسلمين إلى ألمانيا. وقال لمجموعة “فونكه” الإعلامية، إنه يؤيد تطبيق “حظر دخول عام بالنسبة للأشخاص القادمين من دول إسلامية أوضاعها السياسية مستقرة. إذ لا ينبغي أن نسمح بدخول البلاد بالنسبة للمسلمين الذين لا يعنيهم سوى تحقيق تقدم على المستوى الشخصي”.

ولا يتسامح الألمان مع شخصية غاولاند وتصريحاته المضادة للاجئين، إذ أنهم يبادرون إلى تذكيره على الفور بأنه هو شخصيا “لاجئ قادم من ألمانيا الشرقية” قبل سقوط جدار برلين.

يقول غاولاوند إن “أزمة اللاجئين هي هدية”، وهو يبرر ذلك بأن المستشارة ميركل قدمت بخطئها هذا هدية لحزب البديل، لأن هذا يرفع من أسهمه ويزيد من غلواء الخطاب العنصري الذي يغذي الحزب بالمزيد.

شركة دينيس كوبراتيف تكشف عن أن تأسيس حزب الزرق مشروع يعود إلى شهور مضت، حيث قامت فراوكه بيتري بشراء موقع "دي بلاوين دوت دي" وتسجيله باسم زوجها السابق سفين بيتري. الغريب أن الزوج السابق المالك الرسمي للموقع، كان قد قرر قبل فترة الانضمام إلى الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه ميركل

الإسلام ضد ألمانيا

يرى غاولاند أن الإسلام بصورته الحالية، يتعارض مع الدستور الألماني، ويستند غالبية الوقت إلى مقولة للخميني يكررها في خطاباته “الإسلام لا يمكن له إلا أن يكون سياسيا”. لذلك لا يشعر غاولاند أنه يمكن الثقة بالنسبة العالية من الأتراك الذين يعيشون في ألمانيا، فهؤلاء كما يقول غالبيتهم صوتوا لأردوغان، وهذا يعني أنهم يريدون تطبيق الشريعة، الأمر الذي يراه غاولاند خطيراً جداً على ألمانيا.

“أنا وحزب البديل ضد أن تتغير هذه البلاد أو أن يصبح المسلمون في هذه البلاد قوة ثقافية فيها. هذا لا يتوافق مع أوروبا ولا مع الغرب” يقول غاولاند الذي لا يرى أية ضرورة لأن يلتقي مع أي مسلم ممن يعيشون في ألمانيا. فالإنسان، على حد قوله، يتعرف على الناس في مراحل حياته أو في عمله وجواره، وهذا لم يحصل معه، ولا يريده أن يحصل.

بيتري الزعيمة المستقيلة لحزب البديل كانت قد انسحبت من جهتها من مؤتمر صُحفي لقادة الحزب بعد ظهور نتائج الانتخابات. وقالت إنها لن تكون جزءا من كتلة البديل.

قبل انسحابها أعلنت بيتري عن وجود “انشقاق” داخل الحزب، وانتقدت في وقت سابق غاولاند بسبب تصريحات قال فيها إن الحزب “سيلاحق” ميركل.

وصرحت قائلة “قررت ألا أكون جزءا من مجموعة بديل من أجل ألمانيا في البرلمان الألماني، وسأكون مبدئيا عضوة منفردة”، مضيفة “أعتقد أن علينا أن نقر بصراحة اليوم بوجود خلاف على المضمون في حزب بديل من أجل ألمانيا، وأعتقد أن علينا ألا نسكت عن ذلك لأن المجتمع يدعو إلى حوار مفتوح”.

الفلسفة السياسية التي تنطلق من خلالها بيتري ليست مجرد استعراضات وكلاماً عادياً، فالزعيمة الشابة تقول بوضوح إن حزب البديل “حزب غير سلطوي بإمكانه أن يكون ناجحا في المعارضة لكنه لن يتمكن من تقديم خيار للناخبين يتمتع بالمصداقية كحكومة”.

غاولاند يقول إن “أزمة اللاجئين هدية” وهو يبرر ذلك بأن المستشارة أنجيلا ميركل قدمت بخطئها هذا هدية لحزب البديل، لأن هذا يرفع من أسهمه ويزيد من غلواء الخطاب العنصري الذي يغذي الحزب بالمزيد

أي أنها تتجه نحو تقسيم اليمين إلى جناحين مهمة كل واحد منهما لا تقل خطورة عن مهمة الآخر، الأول يتولى التواصل مع السلطة من موقع المعارضة في البرلمان، والثاني تقع على عاتقه مسؤولية الانتشار الأفقي في المجتمع الألماني حيث تصلح الأحزاب “غير السلطوية”.

البديل حصل على 12.6 بالمئة من مجموع الأصوات في الانتخابات البرلمانية ليصبح أول حزب من اليمين المتطرف يدخل البرلمان الألماني منذ أكثر من نصف قرن.

إليس فايدل عضو حزب البديل طالبت بيتري بمغادرة الحزب، وقالت إنه “عقب الضجة الأخيرة للسيدة بيتري التي اتسمت بانعدام المسؤولية أطالبها بالتخلي عن التحدث باسم الحزب ومغادرته حتى لا تحدث المزيد من الخسائر”.

لكن بيتري أعلنت رسمياً عن تأسيس “حزب الزرق” مع أن المتحدث باسم البوندستاغ قال إنه لم يتم إعلامه بأمر كهذا بعد. وأضاف المتحدث “يجب إعلام رئيس البرلمان في حال تم الإعلان عن تأسيس حزب جديد”.

شركة دينيس كوبراتيف كشفت عن أن تأسيس حزب الزرق أو حركة الزرق مشروع يعود إلى شهور مضت، حيث قامت بيتري بشراء موقع “دي بلاوين دوت دي” وتسجيله باسم زوجها السابق سفين بيتري.

الغريب أن الزوج السابق المالك الرسمي للموقع، كان قد قرر قبل فترة الانضمام للحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه ميركل. وقال بيتري إنه يجد سياسة ميركل “بصفة عامة معقولة وصحيحة”. على النقيض مما تراه مطلقته فراوكه التي يتهكم الألمان عليها ويسمونها “أدولفه”.

الزعامة وأوروبا

حين يجري الحديث عن القيادة، يتردد غاولاند طويلا قبل أن يشرح معنى الزعامة السياسية لحزب متطرف مثل حزب البديل. وينظر إلى زعامة اليمين كزعامة لأوروبا. يقول “أعتقد أنني المسؤول في ما يتعلق بالسياسة الخارجية.

ومن وجهة نظري أنه لو كان أدولف أو بسمارك موجودين الآن لقررا البقاء في حلف الناتو”، ويضيف ” نحن لم نبن نظام سلام مع روسيا، بل قمنا بتوسيع حلف الناتو، بعد أن وعدنا غورباتشوف، والآن ترد روسيا القومية بنفس الطريقة السابقة، بتوحيد الأراضي الروسية”.

الألمان لا يتسامحون مع شخصية غاولاند وتصريحاته المضادة للاجئين والأجانب عموما، إذ أنهم يبادرون إلى تذكيره على الفور بأنه هو شخصيا “لاجئ قادم من ألمانيا الشرقية” قبل سقوط جدار برلين

هذه الأفكار العابرة للحدود تعطي الانطباع بأن اليمين لديه مشروع متكامل أكبر من مجرد احتجاج على الأجانب أو رفض سياسة قبول اللاجئين. ومن خلال الملف الروسي يمكن أن نقرأ كيف يفكر غاولاند الذي يعتقد صراحة أن العقوبات على روسيا خيار خاطئ، فروسيا من وجهة نظره “لن تعيد شبه جزيرة القرم أبداً” وبالتالي ما نفع تلك العقوبات؟

أطلّ غاولاند بعد نجاح حزبه بدخول البرلمان ليقول إن “مليون شخص، أجانب، يُؤتى بهم إلى هذا البلد ويأخذون قطعة من هذا البلد، ونحن حزب البديل من أجل ألمانيا لا نريد ذلك”.

وأضاف “نقول إننا لا نريد أن نخسر ألمانيا بسبب غزو أجانب من ثقافة أخرى. هذا هو الأمر ببساطة”. وأكد غاولاند أن حزبه الذي يتوقع أن يشغل 94 مقعدا في البرلمان الاتحادي الذي يتألف من 709 مقاعد، قد انتخب من أجل “معالجة” قضايا الهجرة “دون هوادة”.

غاولاند صاحب لسان سليط منفلت. وهو لا يتحكم بانفعالاته أثناء الإدلاء بالتصريحات الصُحفية أو حتى في اللقاءات الرسمية، ففي اجتماع لحزبه قال إنهم سيتخلصون من الوزيرة الألمانية أوز أوغوز المتحدرة من أصول تركية مثلما يتخلصون من “الفضلات”، مستعملاً كلمة “إنتسورغن” التي تعني بالألمانية “التخلص من الفضلات”، وسط تصفيق مناصريه، حسب ما أوردت صحيفة “بيلد” الألمانية.

وقد علق رالف ستيغنر، نائب رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي على حسابه على تويتر قائلاً “الزعيم الخفي لحزب البديل من أجل ألمانيا، غاولاند، يهاجم وزيرتنا للاندماج بكراهية مروعة”، كراهية تنتشر يوماً بعد آخر لتصب الزيت على النار في القارة العجوز التي تعيد اكتشاف ذاتها من جديد هذه الأيام.

ألمانيا التي تنتشي اليوم بفوز ميركل بدورة رابعة في سابقة تحدث لأول مرة، لا تقود فقط التغيير الاجتماعي والسياسي داخل حدودها، لكنها تقود أوروبا والاتحاد الأوروبي في مسار اقتصادي هائل يقف أمام عواصف كثيرة ليست بعيدة عن القارة العريقة.

تقول ميركل لمؤيديها إنها كانت تأمل في "نتيجة أفضل". ولكن أي شيء أفضل من الاستمرار وسط عواصف السياسة التي جلبت ترامب؟ تضيف ميركل وعداً بأنها ستستمع إلى "مخاوف" ناخبي حزب "البديل من أجل ألمانيا"، حتى تكسب ثقتهم مجددا. وتقول حكومتها عليها التعامل مع القضايا الاقتصادية والأمنية إضافة إلى التعامل مع الأسباب الأساسية للهجرة.

"يمكننا القول إننا الآن لدينا تفويض لتحمل المسؤولية بهدوء مع شركائنا طبعا" تقول ميركل. وحين يجري الحديث عن الشركاء والمستقبل، وعن الكوكب المعولم فإن أوروبا تشبه المدنية الأميركية باتت صورة قريبة جدا، يمكن لمن يقرأ في الظواهر إدراكها بسهولة.

لكن ما يزال هنالك رفض عميق في الشخصية الألمانية للقالب الأميركي، وهنا تتقاطع رؤى اليمين واليسار والوسط، فالألمان جميعاً ينظرون إلى تقاليدهم الفكرية نظرة محافظة غير قابلة للنقاش، حتى من قبل أبناء الجيل الجديد الذي لم يختر البديل عبثاً ولا طمعاُ بهتلر جديد، بل بحثاً عن الهوية. وهو الوتر الذي يعزف عليه غاولاند وأمثاله.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر