الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

العراق.. لماذا وصل البارزاني إلى ما وصل إليه

لا بد أن تكون هذه الأزمة الوطنية فرصة لإعادة النظر الجذرية في مجمل العملية السياسية ومنهجها، ووضع الحلول الوطنية الاستثنائية لتعديلها سواء في دستورها أو قوانينها وإجراءاتها.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2017/10/03، العدد: 10770، ص(8)]

بعيدا عن خطابات الشعارات في كل من بغداد وأربيل المستعارة من ثوابت وحدة البلد أو من حق تقرير المصير، وبعيدا عن الاستغراق في تفصيلات الإجراءات الحالية وما ستؤول إليه من تصعيد قد يصل إلى الصدام العسكري، أو احتمالات الحلول السياسية، لا شك أن كل عراقي من غير الأكراد سيكون إلى جانب وحدة بلده، لكن هناك من يسأل سؤالا سياسيا أوليا بسيطا من الذي فرط بوحدة العراق وأرسى مقدمات تقسيمه أليست أحزاب الحكم؟ ولماذا حصل الفراق بين الحليفين، الشيعي والكردي، وكل منهما يحكم في جغرافيتين ترسختا خلال خمسة عشر عاما برضاهما وبإجراءاتهما التي أوصلت الوضع إلى ما هو عليه في الخامس والعشرين من أبريل الماضي؟ وهل كانت الإرادة السياسية في بغداد مؤمنة حقا بوحدة البلاد منذ عام 2003 وأحزابها هي التي وقعت على وثيقة دستور كرس المقدمات الأولى لما وصلت إليه قيادة مسعود البارزاني إلى القرار الانفصالي واليوم تشبث كلا الطرفين ببنوده؟ فمن وضع ذلك الدستور وبرعاية أميركية وإيرانية أراد لهذا الظرف الخطير أن يتحقق ليس في الموضوع الكردي فحسب، وإنما في جميع شؤون العراق وأخطرها تقسيم العراق سياسيا إلى مكونات والتعاطي الانتقائي مع تلك المكونات، والاستئثار بالسلطة وفق ذلك الواقع وبفضل التحالف الشيعي الكردي على حساب مكونات الشعب الأخرى؟

ألم تكن تلك الصفقة السياسية قد تم تصميمها وتنفيذها بإرادة أميركية قبيل الاحتلال العسكري وفي مؤتمر لندن أواخر ديسمبر 2002 وكنا نحن بعض المعارضين لنظام صدام حسين شهودا رافضين لتلك اللعبة اللعينة، ونبه الكثير من الوطنيين العراقيين في ذلك الوقت إلى ما سيحل بالعراق من تعريض لوحدته إلى الانهيار، لكن السياسيين الشيعة لم يسمعوا تلك الأصوات وآثروا مصالحهم ومنافعهم وشعروا أن الفرصة التاريخية هي وصولهم للحكم في بغداد بعد عجز إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية عن تحقيق ذلك الهدف، ووجدت تلك القوى أن التحالف السياسي مع القيادة الكردية هو السبيل لتحقيق ذلك الهدف حين كانت لها الحظوة عند الأميركان، وأضمروا أهدافهم اللاحقة في الانفراد الطائفي بالحكم، وتكريس مفهوم “الأغلبية السياسية الشيعية” بدلا من قيم المواطنة. لقد أخذت القيادة الكردية (مسعود البارزاني وجلال الطالباني) فرصتها المطلقة في تعزيز قواعد “الدولة المستقلة” المستقبلية، أمام أنظار الأحزاب الشيعية التي رضيت بتلك المقايضة (الحكم في بغداد للشيعة والحكم في أربيل للبارزاني) من دون تمسك بثوابت الدولة في الهيمنة على كل أرض العراق وإدارة ثروات البلد من النفط والمعابر الحدودية وغيرها، بل إن قيادتي البارزاني والطالباني تصرفتا خلال السنوات الماضية باستقلالية تامة في شؤون الإقليم الاقتصادية والسياسية والأمنية والدبلوماسية.

رضي أركان الحكم في بغداد بالتعامل مع القيادة الكردية وكأنها دولة مستقلة لا ينقصها سوى النقد المستقل والاعتراف الدولي، وهناك تفصيلات كثيرة تؤكد التفريط والاستهانة بمستلزمات الدولة العراقية الواحدة. لقد صمم التحالف الشيعي الكردي تلك الشراكة السياسية التي غيّبت الهوية الوطنية للعراق وأحلّت محلها دستوريا وقانونيا “الطائفية والعنصرية القومية”، ومنح الأكراد ما أرادوه من مناصب سيادية ومغانم في الثروات ومن بينها ثروات النفط في كركوك، وكذلك موضوع الهيمنة السيادية على المنافذ الحدودية والمطارات التي تنازلت عنها بغداد لحكومة إقليم كردستان في سابقة لم تحدث في العالم الفيدرالي. وحتى المادة 140، التي وضعها الأكراد في الدستور ووافقت عليها الأحزاب الشيعية، أهملت عمدا منذ عام 2006 حتى يوم الاستفتاء 25 سبتمبر 2017 ولم تجرؤ حكومة بغداد أو برلمانها الموالي على مواجهة الأكراد في حيثياتها، وتركت حملة التكريد في كركوك تحقق أهدافها خلال السنوات من 2003 حتى 2017، كما سمح لقوات البيشمركة بالاستيلاء على مساحات شاسعة جديدة بعد تحريرها من تنظيم داعش تعادل مساحة إقليم كردستان.

لقد فرضت متطلبات صفقة “الشراكة الكردية الشيعية” وقائع مست بسيادة الوطن، فمثلا هل نجد أي دولة فيدرالية في العالم تضع اللغة الثانية بالبلد على جوازات السفر وعلى أوراق المعاملات الرسمية، وتفرض الحصص الكبيرة في المناصب الدبلوماسية من الأكراد وتتقاسم وظائف السفراء في عواصم العالم بين الأكراد والشيعة إضافة إلى وجود قنصليات كردية مستقلة في بلدان العالم، مقابل قنصليات تلك الدول في أربيل.

أليست الولايات المتحدة الأميركية دولة فيدرالية لكن لغتها الرسمية الإنكليزية وحدها مثبتة على جوازات السفر والمعاملات الرسمية، قبلت أحزاب الحكم الشيعية وقائع بروتوكولية فيها إقرار بشبه الاستقلال للأكراد، فجميع زائري بغداد الرسميين الأجانب بمختلف مستوياتهم يذهبون إلى أربيل بعد زيارتهم للعاصمة، كما يستقبل مسعود البارزاني في العواصم التي يزورها كرئيس دولة، وهناك مفردات كثيرة أوصلت البارزاني إلى الحالة التي وصل إليها في الانقلاب على تلك الشراكة اللاوطنية التي أضرت بشعب العراق.

أصبح البارزاني بعد كل ما حصل عليه من مكاسب على قناعة بأن فرصته للقفز إلى الانفصال لن تتكرر في المستقبل بعد إخضاعه كركوك لهيمنته السياسية والأمنية، ولشعوره بأن سلطة بغداد ضعيفة وتغرق مؤسساتها بصراع سياسي على من يتزعمها (نوري المالكي أم مقتدى الصدر أم عمار الحكيم) ووقوع الجميع في مستنقع الفساد الذي يشاركهم فيه أيضا وتصاعد سياسة التهميش ضد العرب السنة وفي الإقليم قرابة المليون ونصف المليون عربي سني كنتاج لتلك السياسات وما أعقبها من احتلال داعش المدبّر.

كما اعتقد البارزاني بأن بعض الأحزاب الشيعية وأذرعها العسكرية تضمر له المكائد بعد انتهاء الحرب على داعش، ولهذا اندفع إلى موضوع الاستفتاء وفق حسابات سياسية غير دقيقة خصوصا في ردود الفعل القاسية من كل من إيران وتركيا. وكان عليه لو كان حريصا على البقاء في العراق، وهو عارف ما تركه تحالفه مع الأحزاب الشيعية من تهميش وعمليات للتغيير الديموغرافي ضد أبناء المحافظات العربية السنية، الضغط على تلك القيادات بإعادة قواعد العملية السياسية بما يعزز قيم المواطنة ويدحر الطائفية السياسية، وكانت ظروف الفشل السياسي العام وتورط الكثيرين بالفساد فرصة لقيادة البارزاني وبمشاركة النخب السياسية الشيعية والسنية المخلصة للعراق. لكنه لم يقم بمثل هذه الخطوات لأنه فكّر بعقل قومي كردي منغلق وجد أن ظروف الفشل السياسي ببغداد تشكل فرصته ولا مصلحة له في قيام نظام سياسي جديد بعيد عن الطائفية، لأن ذلك قد يبعد عنه فرص الانفصال المستقبلي عن العراق.

واليوم بعد أن وجه البارزاني ضربته إلى العراق ووحدة كيانه، وليس إلى حكومة بغداد وأحزابها التي أوصلته إلى هذا القرار ينتفض سياسيو بغداد بوجهه، وكأن الصحوة الوطنية العراقية قد نزلت عليهم فجأة بعد قرار الاستفتاء، وتتخذ الحكومة والبرلمان سلسلة إجراءات تصحيحية لما وصل إليه الحال في إقليم كردستان من أوضاع شاذة، بل وترتفع الأصوات المتطرفة لدى بعض البرلمانيين الشيعة ببغداد لدق طبول الحرب على الأكراد واجتياح شمال العراق، وهي حالة متطرفة وكارثة حقيقية على كل العراقيين الذين تعبوا من الحروب والصراعات لعقود، وقد تلبي هذه الأصوات الحربية رغبات إيران وتركيا اللتين لا تسمحان بقيام دولة كردية مجاورة لهما حتى وإن اضطرتا لاستخدام القوة.

حسابات أغلب سياسيي بغداد لا تنطلق من صحوة وطنية للتشبث بوحدة العراق بقدر ما تنطلق من دوافع سياسية مصلحية لإعادة إنتاج طموحاتهم المصلحية والتغطية على مسلسل الفساد والفشل الذي ارتكبوه بحق شعب العراق الذي قسموه طائفيا وعرقيا، ويريدون عدم المساس بقواعد العملية السياسية التي فرطت بحقوق العراقيين وأوصلت البلد إلى ما هو عليه اليوم من صدمتي داعش الذي احتل ثلث أرض العراق، والأزمة الكردية في اقتطاع الجزء الكبير من الوطن. وقد تلحقها كوارث جديدة أخرى لتقسيم العراق بعدما حصل للعرب السنة من تهميش من المواطنة.

إن الخطوة الكردية الجديدة تعرض رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى خسارة ما كسبه من رضا وطني من خارج العملية السياسية. ونشير إلى ضرورة تجنيب العراق مخاطر تداعيات هذه الأزمة وتغليب لغة الحوار الداخلي عبر تنازلات متقابلة وعدم إيداع حلولها لدول الجوار، ولا بد أن تكون هذه الأزمة الوطنية فرصة لإعادة النظر الجذرية في مجمل العملية السياسية ومنهجها، ووضع الحلول الوطنية الاستثنائية لتعديلها سواء في دستورها أو قوانينها وإجراءاتها، وعدم الدخول بصفقات جديدة تحقق مصالح الأحزاب التي تعيش مأزقها أمام الشعب العراقي الصابر.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر