الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

شاعر المرأة

قراءة بسيطة لتجربة أهم شاعر ارتبط شعره بالمرأة هو نزار قباني تكشف لنا أن المعيار في إطلاق هذا اللقب الذي حاز عليه، كان مرتبطا بحضور المرأة الكبير في شعره وليس في قدرته على تمثّل عالم المرأة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/10/03، العدد: 10770، ص(15)]

الدلالة التي تحملها الألقاب التي تطلق عادة على الشعراء والكتّاب الرجال، مثل شاعر المرأة تأتي في إطار سياق ثقافي عام يحكمه وعي ذكوري، ما يزال عاجزا عن التخلّص من مركزيته حتى على مستوى التعبير عن المرأة بالوكالة، في حين لم تستطع هذه الثقافة أن تطلق على شاعرة لقب شاعرة الرجل.

إن هذه المفارقة في التعامل مع الإبداع تعبّر عن محاولة تكريس تفوق الرجل، من خلال ما يمكله من قدرات خاصة، على فهم بواطن المرأة والتعبير عن مكنونات عالمها الخاص النفسية والعاطفية، في حين أن قراءة بسيطة لتجربة أهم شاعر ارتبط شعره بالمرأة هو نزار قباني تكشف لنا أن المعيار في إطلاق هذا اللقب الذي حاز عليه، كان مرتبطا بحضور المرأة الكبير في شعره، وليس في قدرته على تمثّل عالم المرأة والتعبير عن ذات المرأة ووجودها المصادر.

من المعروف أن الشاعر لم يكن هو من أطلق على نفسه هذا اللقب، بل هي الثقافة الذكورية التي تريد تأكيد ريادة الشاعر الرجل في كل شيء، وقدراته الخاصة على النفاد إلى أعماق الجنس الآخر، ما يجعل المرأة غير محتاجة للتعبير عن ذاتها وهويتها الأنثوية، طالما أن هناك من يقوم بهذه المهمة بالنيابة عنها على نحو كامل.

الغريب أن هذه الثقافة التي ظلت تاريخيا مشغولة بصناعة الألقاب، تتجاهل أن شاعر المرأة كان من أكثر الشعراء اعتدادا بذكوريته المتعالية، عندما كان يصنع في شعره من جلود النساء عباءة له، ويبني من حلمات نهودهن إهرامات مجده.

صحيح أن قراءة هذا الموقف في تجربة الشاعر يندرج في سياق التحليل النفسي لشخصية الشاعر، وما تكشف عنه من نزعة نرجسية متأصلة، على خلاف ما كتبه عن المرأة في قصائد أخرى، عبّرت عن مستوى مختلف من العلاقة معها، وإن ظل الجانب الحسي فيها هو الأكثر تجليا.

قد يرى البعض أن سبب هذه التسمية ناجم عن غياب المرأة الشاعرة، التي تعبّر عن كينونتها كأنثى لها رغباتها وحاجاتها الجسدية والروحية والجمالية، الأمر الذي جعل الرجل الشاعر ينوب عنها في التعبير عن كل هذا. لا شك أن هناك شيئا من الصواب في هذا القول، لكن ما يسكت عنه أصحاب هذا القول هو إن المرأة ما زالت محكومة بمنظومة من القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تصادر وجودها، وتمنعها من البوح بكل ما لديها، وأن الثقافة الذكورية المهيمنة على المجتمع، هي التي تحول دون أن تستطيع المرأة التعبير عن كل ما تحس به، أو ترغب فيه وتتطلع إلى تحقيقه خارج سلطة الوصاية.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر