الاربعاء 24 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10879

الاربعاء 24 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10879

مسؤولية حماية المدنيين

يبدو أفق حماية الأقلية المسلمة في ميانمار، أو حماية السوريين من استمرار البطش والقصف العشوائي مسدودا.

العرب سلام السعدي [نُشر في 2017/10/07، العدد: 10774، ص(9)]

مع تواصل عمليات القتل الجماعي والتطهير العرقي في ميانمار ضد أقلية الروهينغا المسلمة، يواجه المجتمع الدولي قضية متجددة تتعلق بمسألة التدخل الدولي الإنساني أو ما يسمى بمسؤولية الحماية الدولية.

لم يعرف بدقة عدد القتلى من أقلية الروهينغا ولكن حملة العنف دفعت نحو نصف مليون للنزوح نحو بنغلاديش تاركين قراهم التي أحرقتها قوات ميانمار.

طُرحت المسألة خلال الحرب السورية مع وصول عدد ضحايا النظام لأكثر من نصف مليون قتيل فضلا عن الملايين من المصابين والمهجرين أمام مرأى العالم. متى يحق للمجتمع الدولي اتخاذ إجراءات عسكرية ضد دولة أخرى ذات سيادة لحماية مواطنيها من بطشها؟

بقيت هذه المسألة موضع خلاف منذ الحرب العالمية الثانية، وخصوصا بعد نهاية الحرب الباردة وانفتاح أفق الصراعات الداخلية الإثنية والعرقية شديدة العنف. تصاعد الجدل بعد مجازر رواندا والبوسنة والهرسك في تسعينات القرن الماضي أمام تقاعس العالم عن إيقاف المجازر المروعة.

تدخل الناتو بصورة منفردة ضد يوغسلافيا عام 1999 من دون موافقة مجلس الأمن الدولي وهو ما اعتبر تدخلا غير قانوني حسب القانون الدولي والأمم المتحدة.

مع ذلك، تساءل الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان باستهجان أنه إذا كان التدخل الدولي الذي حصل غير قانوني، كيف يتعامل المجتمع الدولي مع تلك المجازر البشعة؟

تتعلق أبرز الاعتراضات على التدخل الإنساني بكونه قد يستخدم لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية للدول العظمى بذريعة حماية المدنيين. وعليه فقد يكون التدخل انتقائيا ومرتبطا بالمصالح القومية للدولة المتدخلة أكثر من ارتباطه بحماية المدنيين.

في العام 2000، تشكلت لجنة دولية بتمويل ودعم من الحكومة الكندية لمناقشة قضية مسؤولية الحماية ومحاولة التوصل إلى توافق دولي وآليات محددة لدفع فكرة الحماية والتدخل الإنساني خطوة للأمام.

وقد خلص تقرير تلك اللجنة لنتائج مهمة أولها إعادة تعريف سيادة الدولة على أنها مشروطة بالتزام الدولة نفسها بمعايير حقوق الإنسان وحماية مواطنيها.

أصبحت سيادة الدولة تنطوي على مسؤولية هذه الدولة بحماية مواطنيها. أقرت اللجنة التدخل العسكري لحماية المدنيين تحت مجموعة من الشروط، أولها أن تكون هنالك قضية عادلة تنطوي على تهديد خطير لحياة مجموعة واسعة من السكان، وعليه فإن هدف العمل العسكري يجب أن يرتبط تحديدا بإنقاذ حياة المدنيين.

فضلا عن ذلك، يجب أن يكون العمل العسكري الوسيلة الأخيرة التي يتم اللجوء لها بعد استنفاد كل الوسائل التي قد تتضمن ضغوطا دبلوماسية واقتصادية.

وأخيرا يجب أن يكون العمل العسكري متناسبا مع حجم الانتهاكات ويحمل فرصة جيدة للنجاح. هكذا نجحت اللجنة في حل مسألة شرعية التدخل الإنساني بتحديد مجموعة عوامل تضفي الشرعية على التدخل، ولكنها لم تتمكن من حل مسألة قانونية التدخل الذي بقي مرهونا بموافقة مجلس الأمن الدولي ليكون قانونيا.

في محاولة لإضفاء شيء من الواقعية ولتأمين نجاح المبادرة، استبعدت اللجنة إمكانية أي عمل عسكري على الأسس المذكورة ضد أي من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

لم يكن ذلك كافيا، إذ رفضت كل من روسيا والصين التقرير باعتباره يخل بسيادة الدول. كما رفضته الولايات المتحدة بسبب إمكانية عرقلة قراراتها الأحادية إذ فضلت بحث كل قضية بصورة منفصلة وعدم وجود قانون موحد ينظم مسؤولية الحماية.

الغزو الأميركي للعراق أضاف مشكلات جديدة وقلل من شرعية ومصداقية التدخل الإنساني. بالطبع لم يكن الغزو الأميركي للعراق متوافقا مع معايير اللجنة الدولية إذ لم تكن هنالك مجازر على نطاق واسع تستدعي التدخل. أما بخصوص استخدام صدام حسين للسلاح الكيماوي ضد الأكراد في حلبجة عام 1988 فهو حدث من الماضي إذ لا يمكن تطبيق مبدأ التدخل الإنساني لمعاقبة أنظمة استخدمت العنف ضد مواطنيها في الماضي وإنما لإيقاف عنف قائم حاليا.

هكذا يبدو أفق حماية الأقلية المسلمة في ميانمار، أو حماية السوريين من استمرار البطش والقصف العشوائي مسدودا. يتوقع أن تتواصل عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في أماكن كثيرة من العالم خلال العقود القادمة وهو ما سيعيد التأكيد على أهمية التوصل إلى آليات دولية لتطبيق مسؤولية الحماية.

لكن جوهر الأمر يتعلق بطبيعة العلاقات الدولية القائمة على الصراع والتنافس على المكاسب المطلقة والنسبية. إن حكم القانون داخل نطاق الدولة الحديثة لم يمكن تطبيقه على المستوى الدولي.

كاتب فلسطيني سوري

سلام السعدي

:: مقالات أخرى لـ سلام السعدي

سلام السعدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر