الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

في المستشفى

لا تلوموا الطبيب الماهر الذي يخطئ مع أقرب الناس إليه.. لأن عاطفته لا بد لها أن تشوش رؤياه.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/10/11، العدد: 10778، ص(21)]

لا أحد يحب المستشفى.. هذه قاعدة

قد يكون لها بعض الشواذ.. لكننا في العموم لا نحب المستشفيات.. ولأنني أنتمي لأسرة طبية فقد ألفتُ أجواء المستشفيات.. ولم يعد المستشفى يشير بالضرورة إلى المرض والأزمة.. فهو محل عمل أمي وأبي.. ولا شك أن معظم أصدقاء الأسرة كانوا من الأطباء والطبيبات.. وعليه فقد صرت من تلك القلّة التي لا تعاني كثيرا عند وجودها في هذه الأمكنة.. ناهيك عن أنني كنت لا أحلّ في أحدها إلا ووجدت من يعرفني أو يعرف أسرتي..

ولذا فقد كانت بيتنا الثاني بطريقة أو بأخرى.

ولا أستطيع أن أتذكر طفولتي دون أن تكون مقرونة بالمستشفيات والعيادات التي عمل فيها أهلي.. كانت غرف الانتظار وغرف الفحص مكانا آخر من أماكن اللعب بانتظار أن ينتهي أبي أو أمي من عملهما ليعودا بي إلى البيت.

ومن جميل ما أتذكره في طفولتي ذكرياتي في غرفة الانتظار اللصيقة بغرفة الأطفال حديثي الولادة في مستشفى الحيدري ببغداد.. كانت أمي تصطحبنا أنا وأختي الصغرى إلى هناك.. وكنا نجلس بانتظارها وهي تجري عملية جراحية لامرأة حامل مثلا.. فيرى النور على يديها طفل جديد يكون لنا نحن أيضا شرف رؤيته قبل حتى أن تراه أمه!..

أتذكر أنني كنت أشعر بالانتماء إلى ذلك المكان.. حتى جلبت ذات يوم صورا ملوّنة لشخصيات كارتونية وقدمتها للممرضة المسؤولة عن الغرفة.. ورحنا نثبتها معا أنا وهي وأختي على الحائط لنرتب الديكور.. حتى أصبحت صالة الأطفال حديثي الولادة زاهية حميمة.. وأشبه بغرفة الطفل الأول في بيت عروسين جديدين..

ربما جعلتني تلك الألفة مع المكان لا أشعر بالغربة أو الرهبة أو الانزعاج الذي يشعر به المرضى غالبا في المستشفيات.. بيد أن انتمائي للفريق الأول.. وأعني أسرة الأطباء.. لا يجعلني بعيدة عن الفريق الثاني.. وأعني المرضى.. فحتى الطبيب الذي يداوي الناس يعتل ويمرض.. والجراح الذي اعتادت أصابعه الماهرة أن تجري العمليات وتشفي العلل.. يمكن أن يخضع لمبضع جراح زميل فيشفى على يديه.. لكن الشعور هنا يغدو مختلفا تماما.

وعلى الرغم من أنني لا أشير بهذا الكلام إلى نفسي لأنني لست طبيبة بيد أن المفهوم في الحالتين واحد.. وصدقوني فإن الطبيب الذي يعرف أكثر مما نعرف بكثير قد يخاف أكثر منا نحن الجهلاء في الطب!.. فهو يرى ما لا نراه من أسوأ الاحتمالات إلى أحسنها.. وقد يخدمه علمه في استباق التشخيص ربما أو الوقاية من الخطر.. لكن معرفته إذا ما شابها قلق أو عاطفة تصبح وبالا يدمر صاحبه وكل من حوله.. فلا تلوموا الطبيب الماهر الذي يخطئ مع أقرب الناس إليه.. لأن عاطفته لا بد لها أن تشوش رؤياه.

وهنا يصبح الحل الأمثل للتعامل مع معطيات من هذا النوع هو التفاؤل والإيمان والثقة بالنفس وبالله والقدر.. لأن العلم الذي يخدمنا جميعا قد يقتل صاحبه قلقا وخشية وتوجسا.

شاعرة عراقية

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر