الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

فتيل استفتاء الأكراد والانفجارات القادمة

في دول لا تعترف بالمواطنة المتساوية ولا تلتفت لحقوق الأقليات، فإن استفتاء الأكراد على الانفصال قد يفجر كافة القنابل الموقوتة للأقليات المهمشة.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2017/10/13، العدد: 10780، ص(9)]

أشعل استفتاء الأكراد على الانفصال فتيل التحشيد الإعلامي والعسكري والحصار الاقتصادي خوفا من تداعيات مستقبلية لن تقف عند حدود بناء دولة كردستان في العراق، بل ستنتقل إلى دول الجوار والأقليات الموجودة فيها. المشكلة الكردية رغم خصوصيتها المتعلقة بالتقسيم الاستعماري للمنطقة وتوزع الشعب الكردي على أربع دول هي جزء من مشكلة الأقليات ككل، وحق تقرير المصير الذي ينشده أكراد العراق سيؤدي إلى بروز مشاكل متجددة مع كافة الأقليات في الكثير من دول المنطقة وعجزت عن إدارة مكوناتها بالطريقة الصحيحة ووقفت في وجه قيام دولة المواطنة.

ما حققه أكراد العراق خلال فترة الحكم الذاتي منذ عام 1992، والصلاحيات التي أعطاها الدستور العراقي للإقليم عام 2005 بتشكيل حكومة خاصة به، سهل لكردستان العراق الانتقال من مرحلة السيادة المحدودة على أراضي الإقليم، إلى مطلب السيادة الكاملة المتناغمة مع الرغبة التاريخية للأكراد بوجود دولة خاصة بهم عبر استفتاء الاستقلال، وبغض النظر عن نتائجه المستقبلية بات أمرا واقعا وملهما لأقليات كثيرة في المنطقة للخروج عن صمتها تجاه الاستلاب الذي تفرضه الحكومات، وسيرفع سقف مطالبها حتى لو لم تصل إلى مرحلة فرض دويلات بجغرافيا منفصلة عن الدول المركزية. فكافة الأقليات لم تصل بعد إلى فكرة الدولة كمفهوم سياسي، ومطالبتها بالاستقلال ستفجر الصراعات بينها وبين الدول المركزية.

وهو ما يترجم الانتفاضة الواسعة ضد استفتاء إقليم كردستان لخنق فكرة الانفصال قبل أن تنتقل مؤثراتها نحو الدول ذات العلاقة بالمسألة الكردية، تركيا وإيران وسوريا، والتي عانت من خلل تاريخي في التعامل مع الخصوصية الثقافية للأكراد، وأنكرت حقوق بقية الأقليات، نتيجة سياسات التهميش التي مورست على مدار عقود، وهي ترفض التنازل عن وحدتها لأن ذلك سيضعفها اقتصاديا وجيوسياسيا. لكن هذا لن يقف عائقا بوجه بعض الأقليات لمحاولة الاستقلال أو المطالبة به، خصوصاً أن تجربة تنظيم داعش وسيطرته على أراض بين سوريا والعراق وإقامة دولة ولو لحين بقوة السلاح رفعت منسوب التعصب لدى الأقليات والأكثرية دينية أم إثنية.

الأثر الواسع للانفصال عن دولة العراق أدركه مسعود البارزاني، فرغم إصراره على الاستفتاء فتح بابا للحوار مع بغداد والمجتمع الدولي، وسعى لطمأنة الجوار بأن “الدولة الكردية الجديدة لن تتدخل في شأن أكراد الدول الأخرى”، كما تزايد الحديث في أوساط القيادة الكردية عن الكونفيدرالية وإجراء تعديل على الدستور العراقي تتحول فيه البلاد إلى اتحاد كونفيدرالي بين دولتين، كردستان والعراق، كحل واقعي للتوتر، كونه يخرج كردستان من معادلة الدولة الفيدرالية السابقة وتطبيقها الذي سمح بهيمنة العراق والهيمنة الإيرانية وضغوط ميليشيات الحشد الشعبي على إقليم الإدارة الذاتية.

في دول لا تعترف بالمواطنة، فإن استفتاء الأكراد قد يفجر كافة القنابل الموقوتة للأقليات المهمشة ويشعل المواجهات بينها وبين حكوماتها، والفيدرالية كحل مطروح يتعلق بوجود قرار دولي بتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى أنظمة فيدرالية، لن تكون بالسهولة التي يتوقعها البعض وستكون بداية لخلق سايكس بيكو معدلة، ولن تبني سوى دول مريضة مادامت تتخذ منحى التقسيم الديني والطائفي والإثني.

كاتبة سورية

هوازن خداج

:: مقالات أخرى لـ هوازن خداج

هوازن خداج

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر