الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

روفائيل وسرجون

هؤلاء كانوا غضوبين، ليس لديهم الوقت لانتظار العقل العربي حتى يستيقظ من استرخائه، ولذلك ترى نماذجهم في كل المجالات، يكادون يتصرفون وفق المزاج العصبي ذاته.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/10/13، العدد: 10780، ص(24)]

كان جارنا الكلداني خامسخريا طيبا وبسيطا وكان ماهرا في عمله محبوبا من الجميع، لكن عربنا لجهلهم، كانوا يسخرون من اسمه الآشوري ولا يعرفون أن جذره “زكريا” الاسم العظيم الذي نادى ربه نداء خفيا وقال “إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا فهب لي من لدنك وليا”، لكن من أين الوليّ وسط الظلمات؟

وبين تيه ربعنا ومحركات التطور في مجتمعاتنا، نجد مفارقات كثيرة. فما يلفت في التاريخ، كما هو معلوم، أن النهضة العربية التي بدأت بالفعل مع خروج القوة العسكرية المصرية من بلاد الشام مطلع القرن التاسع عشر، قد كان للمسيحيين العرب دور بارز وكبير فيها.

هؤلاء كانوا غضوبين، ليس لديهم الوقت لانتظار العقل العربي حتى يستيقظ من استرخائه، ولذلك ترى نماذجهم في كل المجالات، يكادون يتصرفون وفق المزاج العصبي ذاته.

وقد قرأت قديما أن الصحافي والوزير العراقي العتيق روفائيل بطي كان يصحح مقالاته شخصيا قبل الطباعة، وروفائيل هذا كان معلما للغة السريانية في مدرسة مار توما في الموصل، خاض غمار الصحافة ناشرا وكاتبا وأسس عدة مشاريع كان آخرها صحيفة “البلاد” التي أطلقها مع صديقه جبران ملكون في العام 1929.

ومرة كتب في مقال له “سبق وأن قلنا لفخامة رئيس الوزراء إن هذه المادة القانونية المقترحة…الخ”، وأثناء التصحيح، رأى أن يشطب من مقاله كلمة “المقترحة” فكتب فوقها “تُحذف”. وأرسل الصفحة إلى المصححين ثم عادت إليه هكذا “سبق وأن قلنا لفخامة رئيس الوزراء إن هذه المادة القانونية تحذف”.

غضب الصحافي المخضرم وكتب على الصفحة “تُحذف يا غبي”، وفي صباح الغد صدر العدد وفي مقال بطي الجملة التالية “سبق وأن قلنا لفخامة رئيس الوزراء إن هذه المادة القانونية تُحذف يا غبي”.

كيف تذكرت روفائيل بطي؟ حين وجدت أن مسيحيي الشرق أخذوا يلوذون خلف هويات ضيقة لا تقدم ولا تؤخر، بعد أن قادوا التحديث والعروبة معا، حتى أن الغرب قد بدأ يسائلنا هل سنبيدهم أم نبقيهم على قيد الحياة؟

كل هذا يحدث بعد أن كان أول وزراء الدولة الأموية آل منصور، وهم من مسيحيي الشام. وكان سرجون بن منصور التغلبي مستشارا لمعاوية، وقبله كان والده منصور مديرا للمالية في الدولة الرومانية، عيّنَه الإمبراطور البيزنطي موريس، الذي استرد بلاد ما بين النهرين الشرقية من الفرس، حاكما لدمشق. وبعد الفتح العربي للشام عين منصور خازنا لبيت المال، وبقي في منصبه حتى وفاته ليورث موقعه لولده سرجون كما يذكر ابن عساكر والطبري.

فمن ذا الذي سيقول لمن يعتبر هؤلاء مجرّد خواجات وجاليات “تُحذف يا غبي”؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر