السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

تونس.. أصغر من التقسيم وأكبر من الإقليم

لن تنجح دعوات المرزوقي فرهانه على تثوير العصبيات الجهوية بين الجنوب والشمال لم ينجح، وسعيه اليوم إلى ضرب الوحدة بالتنمية الجهوية لن ينجح أيضا لأن تونس أصغر من التقسيم وأكبر قليلا من الإقليم.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/10/14، العدد: 10781، ص(9)]

في نفس الوقت الذي تحارب وتقارع فيه الدولة سواء في القارة الأوروبية أو الوطن العربي دفاعا عن وحدتها الجغرافية والسياسيّة والوجدانية درءا لمطلبيات الانفصال والتفتيت النابعة من أقاليم متمردة، يقترح الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي اعتماد نموذج الأقاليم في تونس كحلّ لإشكاليات التنمية المتعثرة في البلاد.

المفارقة أن الدول التي اعتمدت نماذج الأقاليم ذات الصلاحيات الواسعة والسلطات الممتدة، باتت اليوم تراجع بشكل عميق نموذجها في الحكم وتفكر في مقولات التجميع وفق اعتبارات الاقتصاد المشترك والعقد الاجتماعي والتاريخ الجامع.

والمفارقة الأكثر حدة أن ذات الدول الديمقراطية التي يتغنى المنصف المرزوقي بحوكمتها الرشيدة، هي ذاتها مستعدة لدفع فاتورة باهظة من رصيدها الديمقراطي وأن تستعمل شتى أنواع التنكيل والممارسات الدكتاتورية تأمينا لوحدتها الجغرافية والسياسية والنقدية.

تسعى مراكز البحوث الفكرية والإستراتيجية في الغرب دائما إلى الخروج من مأزق الفيدرالية والأقاليم عبر الخروج من مقولة الدولة الوطنية نحو دولة المواطنة، ومن الهوية الوطنية في مقابل الأقليات إلى براديغم دولة التعدد الثقافي.

هكذا أصل الفيلسوف الكندي ويل كيمليكيا لمقارباته الفكرية الفلسفية منذ بدايات التسعينات، كذبته أوروبا بادعاء ذرائعي بأنه يدحض مقولة “الليبرالية الفردية” عنوان الليبرالية الاقتصادية، ولكنها في العمق عارضته لأن معظم دولها دول قومية وطنية.

اليوم ترفع مدريد في وجه الأقاليم المتمردة عصا المادة 155 من الدستور حيث إعلان الطوارئ وإمكانية الزج بالجيش والأمن لإعادة كاتالونيا إلى السيادة الإسبانية، مدفوعة بدعم كامل من الاتحاد الأوروبي.

ذات الأمر تقريبا بالنسبة لفرنسا التي عبرت مؤخرا عن رفضها لأي مطلب من المطالب الانفصالية التي تعلنها السلطات المحلية في منطقة كورسيكا، مؤكدة كما قال مانويل فالس في 2015 إن لا وجود على أرض فرنسا سوى الأمة الفرنسية واللغة الفرنسية.

التقاطع العجيب في منطق الاستراتيجيا أنه في ذات الظرف الذي تراجع فيه الدول من إسبانيا إلى العراق، وتقارب فيه العواصم من فرنسا وبلجيكا وصولا إلى نيجيريا والكاميرون نقديا مقولة الأقاليم الرخوة، يخرج المنصف المرزوقي باقتراح تقسيم تونس على سبعة أقاليم يرجع ريع كل واحدة منها إلى أهلها دون غيرها.

مثل هذه التصريحات هي غاية في الخطورة على وحدة البلاد والعباد، فخلق جهوية مناطقية يبدأ عبر تملك الثروات لصالح الجماعات الوشائجية البكر وحصر ريع الأرض لأهلها من الذين يعيشون فيها قصرا دون بقية المواطنين.

وإن كانت دولة المواطنة في عمقها هي تقسيم الضرائب وتوزيع الثروات بالعدل بين المواطنين وتكافل القوة الفاعلة مع القوى المتقاعدة، فإن ارتكاس الدولة وانتكاس الجمهورية وتفكك العقد الاجتماعي يكون عبر حصر الثروة في إقليم معين واقتصار التنمية على جهة محددة.

لا يتحدث انفصاليو كاتالونيا كثيرا عن الهوية الأقلياتية للإقليم في مواجهة إسبانيا، بل يشنفون الآذان بأن الإقليم الغني يمثل 21 بالمئة من الدخل الوطني الإسباني، نفس النغمة تقريبا نسمعها مع انفصاليي كردستان العراق حيث آبار النفط وحقول الغاز، ذات المنطق استحكم في خطاب انفصاليي جنوب السودان قبل التمرد على الخرطوم، وذات التصريح سمعناه من قادة البوليساريو حيث التغني بثروات الصحراء المغربية، واليوم نسمعه من المنصف المرزوقي في سياق الدعوة إلى أقلمة تونس حيث الإشارة إلى الضرائب التي يدفعها أهالي مدينة صفاقس للدولة التونسية ومن حيث اللمز من طرف خفي إلى أنّ صفاقس للصفاقسية فقط.

لم تكن يوما صفاقس للصفاقسية فقط، بل كانت دوما لتونس برمتها وهبت للوطن وليس للجهة أعمدة النضال النقابي والسياسي والفكري والثقافي والتربوي والإعلامي، وتقدم لتونس كل سنة نخبة من أنجب النجباء من الطلبة والتلاميذ لتأسيس القوة الناعمة التونسية ورديفا تناقضيا لثقافة الانتحار والاندحار.

لن تنجح دعوات المرزوقي فرهانه على تثوير العصبيات الجهوية بين الجنوب والشمال لم ينجح، وسعيه اليوم إلى ضرب الوحدة بالتنمية الجهوية لن ينجح أيضا لأن تونس أصغر من التقسيم وأكبر قليلا من الإقليم.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر