الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

'لا فراش للورود'.. الموت يأتي بانقطاع الحوار بين البشر والعالم

الفيلم يعالج، بعيدا عن الابتذال مشاعر معقدة، باقتصاد في الحوار وفيض في التأملات عن مصائر الحب والمحبين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/10/17، العدد: 10784، ص(16)]

تكلم حتى تحيا

إذا كان الفيلم الأميركي “جمال أميركي” (1999) قد انحاز إلى قيمة أخلاقية بامتناع بطله عن علاقة مع الصبية المراهقة صديقة ابنته، فإن مغامرة مماثلة في مجتمع بنغلادش المسلم المحافظ تحمل بطل فيلم “لا فراش للورود” إلى منتهاها، من دون انتهاك أي قيمة أخلاقية، وعلى الرغم من إدانته أسريا فإنه ينحاز إلى قلبه، حين تفقد حياته المعنى، وتكشف مصادفة مزعجة اضطرابه العاطفي، فيستجيب لنداء غامض بالابتعاد لكي يقترب من نفسه.

إنها أزمة منتصف العمر، أو ما بعد منتصف العمر، حين يدرك الرجل أن ما بقي من حياته أقل مما مضى، ويتوسل مخرج الفيلم البنغالي مصطفى سروار فاروقي بالألوان والظلال في المشاهد الافتتاحية لفيلمه، حيث الفضاء الرحب لطبيعة تجمع الخضرة والشهرة للأب “جواد حسن” مخرج السينما المرموق والوجه الحسن لزوجته “مايا” وابنته المراهقة “صابري” ومعهم الابن الأصغر “أهير”، أسرة نموذجية أو هكذا تبدو، ولكن تحت السطح أسئلة ومشاعر تنتظر سببا مباشرا، لكي يقترب ويشعلها، تمهيدا لانفجار ينسف الروابط الهشة.

هذا الهدوء المراوغ، الذي يسم علاقات فاترة لأغلب الطبقات الوسطى، لا يصمد مع كلام الأب المخرج الخمسيني عن الماضي، وكم كان جميلا، فيثير ضيق زوجة ترى في تكرار هذا “العزاء” انفصالا عن اللحظة الآنية، وترد عليه “الماضي؟ وكأنه لا حاضر لنا”.

ولم يلبث الحاضر أن جاء بما لا تتوقع الزوجة، إذ عصفت شائعة عن علاقة المخرج بصديقة ابنته “نيتو” بما بدا أنه اهتزاز لاستقرار الأسرة، ويضطر الأب إلى ترك البيت، كما جرى في واقعة حقيقية أثارت زوبعة في بنغلادش وكان ضحيتها كاتب وسينمائي شهير، وانطلق منها الفيلم ليعالج، بعيدا عن ابتذال الميلودراما، مشاعر معقدة، باقتصاد في الحوار وفيض في التأملات عن المصائر.. مصائر الحب والمحبين.

وفي المشاهد الأولى يتراجع التفاعل الدافئ بين الأب وأسرته، ولكن إشارات حوارية تشي بنهايات حتمية لحياة لم تعد حياة، مثل قول الأب لابنته التي تربطها به صداقة قوية إن الارتحال يقربنا من أنفسنا، وإن الموت يأتي عندما يتوقف الحوار بين البشر والعالم، وبينهم وبين من يحبون، وكأنه يطوّر المقولة الشهيرة لسقراط، بتنويعة عصرية: “تكلم حتى تحيا”.

وأمام الضجة/الفضيحة يضطر بطل الفيلم إلى الإقامة بعيدا، وكما عصفت الشائعة بحياته مع أسرته، فإنها أزاحت أيضا غبارا عن رغبة دفينة في أعماقه، ويتزوج نيتو المراهقة صديقة ابنته، ولكن طلاقه لزوجته لن يحقق له السعادة في حياته الجديدة، إذ “لا فراش للورود”، وسط مجتمع كاره، تحلو له صناعة الغضب، وإدانة الغير بتشنيع يستمد وقوده من شهرة البطل الذي تتحول صداقة ابنته له إلى نفور، وتصير الابنة صابري أقوى في مواجهة خيانة صديقة طفولتها لها، وتنضجها الكارثة الأسرية فتؤكد لأمها أن الاستقلال نعمة، وأنه لا يأس أبدا، ولو في غياب رب الأسرة.

أجاد الممثل الهندي عرفان خان أداء دور الأب الباحث عن معنى، العاجز عن المحافظة على أسرته، وغير القادر على المتعة بحب مستحيل، بل يزاداد حيرة وتوحدا، ولا يملك المشاهد إلاّ التعاطف معه، وهو تعاطف يتوزع بنسب مختلفة على أبطال فيلم لا يسعى إلى أدانة أحد، ففي هذه الحيرة الوجودية لا توجد عقدة درامية أو لغز يُنتظر من المخرج، وهو نفسه كاتب السيناريو، أن يجد له حلا، ولكن الحياة نفسها سلسلة من العقد والألغاز.

وينطلق الفيلم من ثقافة محلية محافظة، نسمع فيها تلاوة القرآن على روح البطل، لمعالجة قضية إنسانية عن مغزى الموت وجدوى الحياة، وهو إنتاج مشترك بين بنغلادش والهند.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر