الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

العراق والسيناريو الكردي المظلم

لا بد من أن يكون الدرس الكردي مناسبة لمراجعة جديدة للنظام السياسي القائم في العراق وإحداث تحول سياسي من الحكم الطائفي إلى الحكم المدني.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2017/10/24، العدد: 10791، ص(8)]

لا بد من الإقرار بحقيقة أساسية هي أن القادة الأكراد والشيعة قد وضعهم المحتل الأميركي في رتل دبابات واحد إلى بغداد يوم 20 مارس 2003 لكنه ميز العربة الكردية عن الشيعية لمكانة الأكراد لدى الأميركان، فأعطوهم ما أرادوه لشعبهم الكردي من حقوق تاريخية، وحققوا للقادة الشيعة رغباتهم في السلطة والحكم الذي لم يصونوا استحقاقاته في خدمة شعب العراق. من ناحية أخرى يجب الإقرار بأن زعامة مسعود البارزاني التاريخية والقومية لشعبه حصلت عبر نضال طويل لا يجوز الاستخفاف به في ظل الواقع السياسي والإعلامي الجديد لما بعد 16 أكتوبر الحالي. فلم يكن الخطاب الإعلامي الشيعي الحكومي والشيعي ليجرؤ قبل هذا التاريخ على وصف إقليم كردستان بشمالي العراق أو على الإساءات الشخصية لقيادة البارزاني مثلما يحصل اليوم من تعبئة تثير الأحقاد والكراهية بين الشعبين العربي والكردي في العراق مثلما ناله العرب السنة من إساءات معروفة خلال الأربع عشرة سنة الماضية.

وفي تفصيلات الوضع الكردي بعد الاستفتاء المشؤوم حصلت المفاجأة التي لم يكن يتوقعها مسعود البارزاني باجتياح القطعات العسكرية العراقية مع فصائل الحشد الشعبي لمدينة كركوك والمناطق المحيطة بها وسنجار وربيعة في أعالي شمال وغرب العراق، في صفقة تم ترتيبها بإدارة الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، مع جناح هيرو زوجة الراحل جلال الطالباني وحكومة حيدر العبادي الذي نفذ الصفقة باجتياح قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي لمدينة كركوك والمناطق المختلطة الأخرى.

لقد سبق أن فاجأ مسعود البارزاني كل من توقعوا سيناريوهات سياسية أخرى تتعلق بكل العراق لما بعد داعش في إعلانه استفتاء استقلال كردستان في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي ليسرق من العراقيين وحكومة العبادي نشوة الانتصار على داعش، وليدخل البلد المتعب من الحروب والأزمات في صراع لا أفق لنهايته وأخطر ما فيه زيادة النفوذ الإيراني بالعراق.

كانت خطوة البارزاني خاطئة في زمانها ومكانها، وكانت معادلة الصراع غير متوازنة بعد ضمه كركوك والمناطق المتنازع عليها لمشروعه الانفصالي، فبالإضافة إلى أن كركوك كانت العقدة التاريخية في الأزمة الكردية منذ أكثر من نصف قرن، فإن دستور الشراكة بين التحالفين الشيعي والكردي لم يحسم وضعها وتركها تحت دائرة المفاوضات التي لم تحصل، وبذلك ظلت تحت إدارة الحكم المـركزي العراقي مهما كانت الطبيعة السياسية لذلك الحكم، ولهذا كانت نقطة قوة لبغداد في خلافها مع أربيل. كما أن حسابات البارزاني باحتمال حصول تحولات في المواقف الدولية والإقليمية وخاصة الموقفين التركي والإيراني بعد فرض الأمر الواقع كانت غير دقيقة، فلم يكن يتوقع حصول مثل هذا التقارب بين أنقرة وطهران اللتين تدافعان عن هواجس وطنية واحدة، ولم ير ما خلف الستار من ترتيبات وتوافقات. كما أخطأ في التقديرات النفسية للأكراد ولم يحسب أن الكردي قد غادر الجبل منذ ربع قرن ونزع البندقية من كتفه ونزل للمدينة ورفاهيتها وولد جيل كردي جديد ينام في بيوت حديثة ويأكل الماكدونالدز وتصعب إعادته مرة أخرى للقتال حين لا تكون هناك مبررات مقنعة لضميره، كما لم تنفع مراهنة البارزاني على الحرس القديم وسط انقسام كردي بين حزبه وحزب الراحل الطالباني الذي تربطه علاقات أعمق منه بطهران.

إن ما حصل في كركوك حاليا يجب ألا يفرح حيدر العبادي كثيرا، فالنتيجة الميدانية حصلت بإرادات غير عراقية

عجز البارزاني ومَن حوله مِن مستشارين عن كشف خطط طهران في استنادها على ثغرة الخلاف الكردي-الكردي وطموح بعض الزعامات الكردية للوثوب إلى رئاسة إقليم كردستان وتمت الصفقة القاتلة بإشراف مباشر من الجنرال قاسم سليماني الذي سبق وأن وعد البارزاني بمصير أسود إن تمسك بالاستفتاء، كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدير شخصيا المعركة ضد القيادة الكردية وهددها بالخنق الاقتصادي التام إلى جانب الاستعدادات العسكرية على الحدود. وتم الإخراج المتقن في الاجتياح السلمي المنظم والسيطرة إلى حدود الخط الأزرق لعام 2003.

لقد تغيّرت قواعد اللعبة بين بغداد وأربيل بعد هيمنة الدولة على كركوك وما سمي بالمناطق المتنازع عليها، ويبدو أن الجماعات العربية والتركمانية تشتغل الآن على ترتيب الأوضاع السياسية في ظل دعم عسكري وأمني من بغداد، ستقود إلى ظروف جديدة تسحب البساط من عملية التكريد التي استمرت أربعة عشر عاما، وهذه المهمة ليست سهلة في ظل منافسة حادة بين الفرقاء السياسيين العرب والتركمان. ورغم أن الخطوة هي تصحيحية لوضع صنعته الشراكة الكردية الشيعية، فمن الصعب اليوم الحديث عن حوار في إطار شراكة المنتصر على المهزوم، وفق استحقاقات جديدة تمسح خمسة عشر عاما من نتائج تلك الشراكة تحت ظل الدستور مفجر الأزمات.

ولن يبدأ الحوار قبل استقرار الحالة الأمنية في كركوك ومناطق التماس. لكن النقطة الجوهرية هي أن الاستفتاء لم يعد نقطة الضغط الكردي على بغداد، في ظل تطورات سياسية متوقعة داخل الساحة الكردية وتخوينات لدى هذا الفصيل أو ذاك، وقد تحدث تصفيات سياسية وأمنية هناك، وكل هذه المعطيات السياسية ستخدم بغداد رغم أن الحوار من الصعب أن ينجح في تقريب طرف كردي دون آخر وصناعة قيادة كردية بديلة للبارزاني.

لقد نزعت عملية اجتياح كركوك جميع عناصر القوة من يد البارزاني، وقد عادت هذه المستجدات به إلى أسوأ مما كان عليه قبل عام 2003، فلم تعد تصل إليه تلك الملايين المتدفقة من واردات النفط والمعابر الحدودية وغيرها، ولعل خطوة الاستفتاء أصبحت السيناريو الأسود الذي يطارده. البارزاني يقف اليوم عند حافات الإذعان المذل بسبب تلك المغامرة غير المدروسة، ومن الطبيعي أن يتشبث بالحوار لكنه حوار غير متوازن، فبغداد تمتلك كل عناصر القوة، الدستور وتحديد استحقاقات الإقليم الكردي الاقتصادية والعسكرية والأمنية من دون الاستفتاء، وليس من المنطقي أن تتشبث قيادة البارزاني بالاستفتاء الذي سيقبل بتجميده والمحافظة على مسألة الإدارة المشتركة المؤقتة لحين تنفيذ المادة 140.

ورغم هذه المعطيات الميدانية إلا أن شوط الأزمة الكردية يتجدد اليوم بصورة أسوأ من قبل بسبب حالة الفوضى والاضطراب الأمني التي تتصاعد حتى عند أطراف كركوك وسهل نينوى وغيرها، فهذه المنطقة غير مستقرة وهناك جيوب لقوات البيشمركة ولخلايا داعش النائمة إضافة إلى فصائل متطرفة من قوات الحشد الشعبي التي قد تندفع إلى صدامات غير مبررة وارتكاب أعمال لاإنسانية، كما أن مدينة كركوك التي تحوي ثلاثة مكونات عربية وكردية وتركمانية غير مستقرة ديمغرافيا في ظل موجات النزوح والعودة حاليا، وهي مضطربة كذلك على المستوى السياسي لمن يريد التحكم في مدينة “أم الأزمات”.

إن ما حصل في كركوك حاليا يجب ألا يفرح حيدر العبادي كثيرا، فالنتيجة الميدانية حصلت بإرادات غير عراقية. فلا بد من إعادة فحص جذرية ووطنية مستقلة لكل ما جرى في العراق منذ العام 2003 وما أدت إليه تلك الشراكة الكردية الشيعية السيئة وما قدمه الدستور من نتائج سلبية. وإن الإصرار على الدخول مع القيادة الكردية بحوار الإذعان لن يؤدي إلى نتائج سلمية مستقرة، في ظل مشاعر انتصار القيادات الشيعية على القيادة الكردية بعد أن استرجعت منها مواقع الثروة الوطنية، بل سترغم الأكراد على القبول بالدستور وأحكامه المضطربة والغامضة وتفصيلات وضع الإقليم لما بعد الوضع الجديد، فذلك سيعيد الأزمة الكردية إلى نقطة الصفر، فالأكراد لديهم تجربة تاريخية طويلة في حوارات من هذا النوع مع الحكومات ما قبل 2003 حتى بالمراهنة على الخلافات السياسية بين الفصيلين الكرديين.

لا بد للعبادي وحزبه والقيادات الشيعية استثمار الوضع الحالي للانطلاق في حلول جذرية تخدم كل العراقيين وأن يجعلوا مما حصل من طغيان كردي بارزاني سببه الجوهري شراكة التحالف الشيعي الكردي وليس الاستناد على معطيات النصر الميداني لعقد صفقة المنتصرين مع الأكراد، واستبعاد مواجهة أزمة العراق السياسية التي ستبقي المشاكل الكبيرة متجددة ولا تخرج العراق من نفقه الحالي، فلا بد من أن يكون الدرس الكردي مناسبة لمراجعة جديدة للنظام السياسي القائم وإحداث تحول سياسي من الحكم الطائفي إلى الحكم المدني.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر