الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

'مؤتمر شعوب سوريا' لتأمين مصالح روسيا

موسكو تحاول تخفيف حدة العمليات العسكرية والتكاليف الاقتصادية والسياسية المرتبطة بها، من دون أن يعني ذلك أنها تحمل رؤية سياسية تنهي الصراع وتقوم بإصلاح النظام السوري ناهيك عن تغييره.

العرب سلام السعدي [نُشر في 2017/10/28، العدد: 10795، ص(8)]

تعمل روسيا على تنظيم ما تسميه بـ“مؤتمر شعوب سوريا” في الفترة القادمة، والذي سيجري بحضور 1500 شخصية تتوزع على “كل مكوّنات الشعب السوري” كما تقول. لقد فتح ارتباط المؤتمر بمسار أستانة واتفاقيات خفض التصعيد، فضلا عن رغبة موسكو مشاركة بعض فصائل المعارضة السورية المسلحة رغم رفض الأخيرة الحضور، الباب لتحليلات متفائلة بالدور الروسي في الحل السياسي الجاري للصراع السوري انطلاقاً من ملاحظة تفارق روسي مع كل من النظام السوري وإيران المتمسكين بالحسم العسكري.

يعتقد المتفائلون بأن الدور الروسي سوف ينهي الحرب السورية وسيقود إلى تغيير سياسي ذي معنى قد لا يجعل البلاد واحة ديمقراطية ولكنه يوسع من المشاركة السياسية ويقلص من احتكار السلطة من قبل عائلة الأسد. هنالك من يذهب به التفاؤل إلى حد الاعتقاد بأن روسيا عازمة على الإطاحة بعائلة الأسد خلال الفترة القادمة لأجل عيون الحل السياسي.

لقد ساهم الدور الذي لعبته موسكو بعد معركة حلب بتفشي شيء من التفاؤل بين صفوف المعارضة، وخصوصا عندما تحوّلت للمفاوضات السياسية وللحديث عن “خفض التصعيد” في لحظة بدا أن التصعيد في ظل انهيار المعارضة هو ما يصبّ في مصلحتها، أو تحديدا في مصلحة النظام السوري. فُهم ذلك بأنه عدم رغبة روسية بتحطيم المعارضة المسلحة وإهداء نصر مؤزر للنظام السوري وإيران، وهو ما يعني أن وزنها وأهميتها الاستراتيجية، النابعة في الوقت الحالي من الأزمة الوجودية التي تتهدد النظام السوري، سوف تنحدر إلى مستويات لا تعود فيه قادرة على ضمان مصالحها في المنطقة.

وفي حين يحمل هذا التحليل جانبا من الصحة، ولكن مسار أستانة لم يكن، كما تثبت الوقائع، نابعا من “حرص” موسكو على المعارضة المسلّحة لتشكيل وزن مضاد للنظام وإيران يتيح لها أن تلعب دور ضابط الإيقاعات، بقدر ما كان مدفوعا بالتخلص من مسار جنيف الدولي من جهة، وبفهمها لدورها في سوريا المرتبط بتعزيز موقعها في المنطقة والعالم ولكن دون دفع تكاليف باهظة ودون التورط لسنوات في حرب مفتوحة من جهة أخرى.

يعتبر كثيرون أن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين هو الأقل تكلفة في العالم، إذ تتخبط المقاومة الفلسطينية بصورة مزرية جنّبت إسرائيل دفع تكاليف الاحتلال. يمكن أن نقول نفس الشيء عن التواجد الروسي في سوريا، وهو بصورة ما احتلال كونه يأتي بالضد من إرادة غالبية السوريين، بل يأتي تحديدا لتحطيم تلك الإرادة.

في أكثر من مناسبة أكدت وزارة الدفاع الروسية أن النفقات المادية لعملياتها العسكرية في سوريا لا تتعدى النفقات المخصصة لتدريب قواتها، في حين بلغت تكلفة الجندي الأميركي الواحد في أفغانستان بعد إسقاط طالبان مليون دولار سنويا، هذا فضلا عن التكاليف الأخرى الهائلة.

كما لا تتكبد روسيا خسائر كبيرة على مستوى قواتها بسبب تجنّب المهمات القتالية والاعتماد على الجيش السوري وإيران والميليشيات الشيعية. يريد فلاديمير بوتين إبقاء معادلة ترفع من وزن روسيا عالميا وإقليميا، وتبقي تكاليف ذلك منخفضة للغاية، وخصوصا في ظل أزمة الاقتصاد الروسي والعقوبات الأوروبية- الأميركية.

تستطيع روسيا إذن خوض حرب مفتوحة مع ما تبقّى من فصائل المعارضة السورية، وهو الطريق الأنجع في حال قدّر له النجاح لكسب الحرب وضمان مصالحها بصورة كاملة في المنطقة. ولكنها لا تريد التورط في حرب طويلة ومكلفة وغير مضمونة النتائج. ولموسكو في تجربة واشنطن في أفغانستان خير مثال إذ تتخبط أميركا منذ قرن ونصف ولا تستطيع سحب قواتها خشية انهيار الحكومة المحلية.

تشن حركة طالبان التي أقصيت عن السلطة بسهولة نسبيا عدة هجمات شهريا ضد قوات الحكومة الأفغانية وتوقع عشرات القتلى والجرحى ولا يبدو استئصالها ممكنا على الإطلاق. لقد ثبت تماما أن اختصار المشهد بالإرهاب والحرب عليه هي سياسة حمقاء لا تقود إلا إلى تورط عسكري واقتصادي لعقود قادمة.

إن الصراع هناك هو أيضاً تمرد داخلي يستند إلى قاعدة شعبية تستمد بدورها قوتها من دولة أفغانية فاسدة لا تحظى بأي شرعية ولا تقدم أي نوع من الخدمات للسكان بل لا تستطيع أن تموّل الدفاع عن نفسها حيث أن ميزانية الجيش وقوات الأمن الأفغانية هي أكثر بمرتين من عائدات الحكومة الأفغانية. إن جزءا كبيرا من أسباب استمرار حركة طالبان في أفغانستان متوفرة في سوريا وقد تحوّلها إلى فخ لروسيا.

هذا ما دفع موسكو لفتح مسار أستانة سابقا و“مؤتمر شعوب سوريا” حاليا، إذ تحاول تخفيف حدة العمليات العسكرية والتكاليف الاقتصادية والسياسية المرتبطة بها، ولكن من دون أن يعني ذلك أنها تحمل رؤية سياسية تنهي الصراع وتقوم بإصلاح النظام السوري ناهيك عن تغييره.

إلى حين أن تسمح ظروف أفضل باستئناف العمليات العسكرية للقضاء على كل فصيل معارض يقف في وجه تحقق المشروع الروسي في المنطقة والعالم، سوف تحاول موسكو تقليص حدة الاستنزاف والتكاليف المترتبة على نشاطها في سوريا. إن انتصار نظام الأسد وإيران بصورة كاملة لا يهدد مصالح موسكو، التي لا تتعلق بسيطرة تامة وغير خاضعة للمساءلة على سوريا، بقدر ما ترتبط بصراعها على نفوذ عالمي وبضمان مصالحها الجيوسياسية في البلاد ويشمل ذلك القواعد العسكرية على البحر المتوسط.

هكذا، لا يجب التفاؤل بالدور الروسي في سوريا أكثر مما ينبغي. لو كان ممكنا، تفضّل روسيا انتصار النظام السوري وهزيمة المعارضة على بروز نظام جديد يحمل فيروس المشاركة السياسية الديمقراطية، ما يجعله هشاً وعرضة للقلاقل الشعبية التي عرفتها جيدا في كل من أوكرانيا وجورجيا وقيرغيزيا من قبل.

كاتب فلسطيني سوري

سلام السعدي

:: مقالات أخرى لـ سلام السعدي

سلام السعدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر