الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

صراع الأجيال

إن الذين يرفضون الاعتراف بمصطلح الأجيال ينفون عن التجربة الشعرية تاريخيتها، ويتجاهلون في الوقت نفسه التحولات، التي تطرأ على حركية الشعر مع توالي الأجيال.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/11/07، العدد: 10805، ص(15)]

كثيرا ما يتم تداول مصطلح صراع الأجيال في الحياة الثقافية بالمعنى الزمني، في حين أن هذا المفهوم يتجاوز في معناه هذه الدلالة الأحادية، إلى دلالة ثانية تتعلق بالمفهوم الجمالي، الذي يميز بين تجربتين، تجربة تشكلت وفرضت قيمها الجمالية والفكرية على المشهد الثقافي، وأخرى مازالت في طور التشكل، وتحاول أن تحتل المساحة، التي ترى نفسها جديرة بها في هذا المشهد.

ينطلق الجيل الأقدم في دفاعه عن موقعه من خلال الدفاع عن تجربته، بوصفها قيمة إبداعية لعبت دور الأبوة بالنسبة إلى الجيل الجديد. لكن ومن خلال جدلية العلاقة أو مفهوم اغتيال الأب بالمعنى الفرويدي، يحاول الجيل الجديد التحرر من هذه السطوة، والحصول على الاعتراف به كقيمة إبداعية جديدة، هي أكثر تعبيرا عن لحظة الراهن جماليا، وما يعتمل في داخلها من أفكار وحساسية خاصة.

في هذا السياق يدافع الجيل الأقدم عن منجزه الشعري، ويعتبر الخروج على سلطة هذا المنجز خروجا على القيم الجمالية للشعر، وكأن الشعر في تاريخه لم يعرف التطور والتغيير في قيمه الجمالية والتعبيرية والفكرية، أو كأن تجربته لم تكن تجاوزا لما سبقها من تجارب. إن هذه المساحة التي يجري فيها الصراع، يحدث أن تتقاطع فيها تجارب من أجيال مختلفة، كأن تظل بعض التجارب الجديدة رهن المعايير الجمالية السائدة للجيل السابق، أو أن بعض تجارب الجيل الأقدام تنفتح على أشكال الكتابة الجديدة، في محاولة لتطوير تجربتها.

هنا يحدث الاختراق على ضفتي الصراع، وبالتالي يغيب مفهوم الجيل عن استكمال معناه ودلالاته على هذا المستوى الزمني، وإن كان البعض يصرّ على هذا التصنيف، ولا سيما في الدراسات الأكاديمية، التي تستخدم معاييرها المدرسية، في قراءة تاريخ الحركة الشعرية العربية.

هناك ملامح عامة تتسم بها تجربة كل جيل، لكن هذه الملامح العامة، لا تلغي التمايزات القائمة، بين تجربة شاعر وآخر، نظرا لاختلاف الموهبة، والقيمة الإبداعية والفكرية، وقدرة كل شاعر على التطور والتجديد. وهكذا فإن الذين يرفضون الاعتراف بمصطلح الأجيال ينفون عن التجربة الشعرية تاريخيتها، ويتجاهلون في الوقت نفسه التحولات، التي تطرأ على حركية الشعر مع توالي الأجيال، وإلا فكيف ظهر شعراء الرومانسية، وشعراء الإحياء والظاهرة التموزية في الشعر الحديث، ثم قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر في أزمنة الشعر الحديثة.

إن الناظم العام جماليا وفكريا لتجربة جيل هو صيرورة التجربة وتحولاتها، التي تتداخل فيها عوامل متعددة، تشكل سياقها الخاص، الذي تعكسه بنية القصيدة الجديدة والوعي الشعري، الذي يتشكل داخل هذا السياق، دون أن يعني ذلك غياب اختراق هذا النسق، على مستوى فردي.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر