الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

ابتزاز باسم 'اضطهاد' الأقليات

ظل المغرب الموطن الذي احتضن اليهود والمسلمين الفارين من إسبانيا طيلة قرنين كاملين منذ سقوط غرناطة... وطيلة الفترات التي كان فيها التاج الإسباني يصدر قرارات بالطرد تجاه اليهود والمسلمين.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/11/20، العدد: 10818، ص(9)]

في الوقت الذي يبذل المغرب جهودا متواصلة من أجل تكريس قيم حقوق الإنسان، وتعمل الدولة على تأكيد المزيد من الانفتاح تجاه مختلف الحساسيات الثقافية والدينية واللغوية، خصوصا منذ المصادقة على دستور جديد عام 2011، فإن هناك من لا يريد للبلاد أن تنعم بالاستقرار الذي جعلها استثناء عربيا بفضل هذا الانفتاح نفسه، ويسعى إلى تحويلها إلى ساحة للصراع عبر افتعال الأسباب وتحريك النعرات الثقافية والدينية.

في يناير من العام الماضي احتضنت مدينة مراكش أول مؤتمر من نوعه حول الأقليات الدينية في الديار الإسلامية، في مبادرة لقيت حفاوة دولية، وصدر عنه إعلان مرجعي يعتمد “صحيفة المدينة” كإطار للتعامل مع قضية الأقليات الدينية في العالم الإسلامي اليوم، في ظل ما نشهده من انحراف نحو التطرف الديني والتعصب الطائفي. وقد اعتبر البيان أن الأساس المرجعي هو المواطنة باعتبارها صيغة تعاقدية ودستورا عادلا لمجتمع متعدد الأعراق والديانات واللغات.

لكن كون المغرب احتضن ذلك المؤتمر الدولي لم يحظ باهتمام ملحوظ، فالكثيرون لم يدركوا أن اختيار المغرب لتنظيمه كان بسبب أنه البلد العربي المشهود له بالاستقرار من ناحية، وبأنه من ناحية ثانية أكثر البلدان العربية التي لا توجد بها أقليات بالشكل الذي يوجد في بلدان المشرق العربي، ثم من ناحية ثالثة لكونه البلد الذي يعرف بالتسامح والتعايش.

وليس من شك في أن هذه القيم الإنسانية ليست أمرا طارئا على المغرب، بقدر ما هي ضاربة بجذورها في عمق التاريخ العربي الإسلامي، فقد ظل المغرب الموطن الذي احتضن اليهود والمسلمين الفارين من إسبانيا طيلة قرنين كاملين منذ سقوط غرناطة في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وطيلة الفترات التي كان فيها التاج الإسباني يصدر قرارات بالطرد تجاه اليهود والمسلمين.

ما يثير الاستغراب أن يجتمع عدد من الأشخاص هذا الأسبوع وينظموا في العاصمة الرباط ملتقى صغيرا أطلقوا عليه اسم “مؤتمر الأقليات الدينية في المغرب”، أحيطت به هالة من الاهتمام الإعلامي بسبب شائعات حول نية السلطات المغربية في منعه ليتبين في الأخير أن الأمر ليس كذلك كما تم تصويره، وأن كل ما حصل هو اجتماع بضعة أشخاص مغاربة منهم المتشيع ومنهم المتنصر وأحد أتباع الطائفة الأحمدية، التقوا بشكل علني وأصدروا بيانا في ختام اللقاء يتهم المجتمع والدولة باضطهاد الأقليات الدينية وممارسة “العنف الهمجي” ضدها، ويشكو مما سماه الأوضاع المتردية لهذه الأقليات “من ترويع وامتهان للكرامة”، ويزعم أن هناك انتهاكات حقوقية “في حق المغاربة المختلفين في الدين من طرف السلطات الأمنية وبعض أفراد المجتمع”.

البيان جاء حاد اللهجة، حتى أن من يطالعه مجردا عن سياقه يعتقد أن الأمر يتعلق بدولة في آسيا تضطهد الأقليات، أو بمنطقة تسيطر عليها قوات داعش أو القاعدة. والهدف من ذلك هو استدرار عطف المنظمات الدولية والحصول على التمويلات الأجنبية والإساءة إلى ثقافة التعايش والتسامح التي تطبع النسيج المغربي منذ قرون.

لقد سبق للعاهل المغربي أن أعلن أكثر من مرة أنه أمير المؤمنين لجميع الطوائف الدينية دون تمييز، وتلك تقاليد راسخة في تاريخ المغرب المعاصر منذ رفض السلطان محمد الخامس في الأربعينات في عهد حكومة فيشي الفرنسية، تسليم اليهود المغاربة إلى السلطات الفرنسية لتسلمهم بدورها إلى السلطات الألمانية، وقال السلطان “هؤلاء مغاربة وأنا لا يمكنني التخلي عن المغاربة”.

لا يدع هذا مجالا للشك في أن أمن البلدان العربية والإسلامية اليوم عرضة للخطر والاختراقات على أكثر من صعيد، ولعل الخطر الإيراني أبرز تلك المخاطر المحدقة بهذا الأمن العربي، حيث تسعى إيران إلى زعزعة استقرار المحيط العربي عبر تحريك ورقة الأقليات الدينية، وهي المعروفة باضطهادها للأقليات بشتى انتماءاتها وخصوصا الأقلية السنية، بشهادة تقارير المنظمات الدولية.

إننا ندرك بأن مجرد التفكير في عقد ملتقى حول موضوع الأقليات في إيران كاف لكي يقود إلى الشنق على أعمدة الكهرباء، ولكن الأصوات غير العاقلة لا تستوعب أن عقد مثل هذا الملتقى في أرض المغرب وتحت الضوء وفي ظل اهتمام إعلامي أمر يدعو إلى الفخر، وينهض دليلا على أن ما يسمى بالأقليات داخل المغرب لديها كافة الحقوق.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر