الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

الشاعر في غربته

الشاعر العربي الحديث الذي فتنته لعبة الحداثة استعار قناع الشاعر الغريب، حتى تحولت غربته إلى غربة كونية، في وقت كنا مازلنا نبحث فيه عن معنى لذواتنا.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/11/21، العدد: 10819، ص(15)]

لم تعد مشكلة الشاعر تتمثل في غربة الشعر ومحدودية انتشاره، بل تجاوزت ذلك إلى غربة الشاعر نفسه في هذا العالم، كما تعبر عنها نصوص الكثير من الشعراء. قد يرى البعض أن الشاعر كائن غريب في العالم منذ ليل امرؤ القيس الطويل، لكنه الآن يزداد شعورا حادا بها، لأسباب كثيرة يأتي في صدارتها اختلال علاقة الذات مع العالم، في لحظة يتكثف فيها سؤال الوجود الإنساني عن معنى الذات تحت ضغط ثقافة الاستهلاك والعلاقات المادية، والتغير السريع لأنماط القيم والعلاقات الإنسانية.

إن الشاعر هو الأكثر تعبيرا عن هذه الحالة من الغربة، من خلال الكم الكبير من المفردات، التي تحمل معانيها أو تحيل إليها، مشكلة حقلا دلاليا، يمثل مفتاح الولوج إلى هذه العوالم، ومناخاتها النفسية القاسية، التي تعبر عن هذه العلاقة المختلة مع العالم.

في تجربة جيل قصيدة التفعيلة كانت مفردات الحلم والثورة والقيامة الجديدة وغيرها، تعبر عن اختلال العلاقة مع الواقع، لكن مع انتظار البديل الأجمل الذي ستأتي به الثورة. إن هذه الرؤية الإشراقية التي عبرت عنها قصيدة الستينات، تكاد تختفي اليوم من المشهد الشعري، بعد سقوط أيديولوجيات التغيير والثورة في العالم، وضياع بوصلة المستقبل.

لكن ما يحدث في عالمنا اليوم مختلف تماما عما كان يحدث قبل عقود. الجيل الجديد الذي عاش وما زال يعيش تحت وطأة حروب طاحنة تكاد لا تنتهي، وجد نفسه مجبرا على استبدال هذه المفردات بمفردات جديدة قاسية ومخيفة، تعبر عن لا معقولية ما يحدث وعبثيته، وعن تحول الحياة إلى كابوس مخيف، يصبح الموت والأشلاء والدمار العنوان الدامي لها، لذلك يحمل الشاعر موتاه أو ما تبقى منهم، ويمضي غريبا في مواجهة هذه المصائر الطاحنة.

إن الشعر هنا تكثيف واختزال تعبيري صادم لصورة الواقع الغريب، وبالتالي فإن غربة الشاعر العربي، هي بلا شك مختلفة عن غربة الشاعر الغربي. الشاعر الغربي هو ابن ثقافته ومجتمعه، وقد نشأت الحداثة الشعرية هناك تعبيرا عن فلسفة تمتلك رؤيتها الخاصة عن هذه العلاقة المختلة للشاعر مع عالمه الغريب، حيث العزلة والتوحش الرأسمالي وضياع القيم وتفكك أواصر العلاقات الاجتماعية. إن هذه الرؤية في جذرها الفلسفي والروحي قد انتقلت إلينا مع انتقال مفاهيم الحداثة الشعرية.

الشاعر العربي الحديث الذي فتنته لعبة الحداثة استعار قناع الشاعر الغريب، حتى تحولت غربته إلى غربة كونية، في وقت كنا مازلنا نبحث فيه عن معنى لذواتنا. أمام هذا التغريب ثمة صحوة لجيل جديد يحاول أن يكون صوت هذه المخاضات العسيرة والدامية لواقع يبحث عن هوية.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر