الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

المشي على الخيط

أغلب ما ينشر من نصوص شعرية اليوم رغم ادعائه التنوع ومحاربة التنميط، وقع هو نفسه في تنميط من نوع آخر، مبشرا بحركة حلزونية ستنتهي إلى نواة واحدة وتتوقف في نقطة ساكنة.

العرب محمد ناصر المولهي [نُشر في 2017/11/29، العدد: 10827، ص(14)]

فيما يُكتب من شعر اليوم طرح مفهوم “الشعر الجديد”، لكن ربما لا نتوافق مع التسمية إلى حد بعيد، كما قد نتجادل إن كان ما يكتب قصيدة نثر كما أقرتها سوزان برنار أو ماكس جاكوب أو قصيدة خارج الوزن إلخ من التسميات المتاحة، والتي قد تخلق حركة نقدية مثيرة لو تم تناولها بشيء من الجدّة والقفز على الحدود المدرسية من قبل النقاد.

أغلب ما ينشر من نصوص شعرية اليوم رغم ادعائه التنوع ومحاربة التنميط، وقع هو نفسه في تنميط من نوع آخر، مبشرا بحركة حلزونية ستنتهي إلى نواة واحدة وتتوقف في نقطة ساكنة.

كثيرة هي النصوص التي تنتشر على فيسبوك مثلا، جميعها تحاول التجديد وطرق مناطق أخرى، لم يتطرق إليها الشعر من قبل، تقوده إلى المجهول والمناطق المطفأة والهامشية، في تشابك كبير مع الجمهور أو القراء أو المتابعين، وهذا جيد فعلا، لكنه أمر في غاية الدقة، يتطلب وعيا حادا من الشاعر اليوم، وهو ما يغيب للأسف عن أغلب ما نقرأه. لماذا؟ لأن ما يقدمه أغلب الشعراء سقط في تنميط سطحي كبير، منتهكا اللغة بدل أن يفتح أمامها الآفاق الجديدة، وكأننا بهؤلاء يكتبون نصوصا بأيدي القراء.

ما معنى التنميط؟ لا نقصد هنا طبعا النمط الاستعاري الذي تحدث عنه بورخيس، جامعا استعارات الشعراء في اثنتي عشرة استعارة نموذجية لا يحيدون عنها، يستنبطون منها ما لا يحصى من الاستعارات.

التنميط المقصود هو الأسلوب، ونتطرق هنا إلى أسلوب مثير فعلا، ألا وهو النفي، سواء كان صريحا بأدواته المعهودة مثل “لا” و”ما” و”لم” و”لن” و”ليس”، أو ضمنيا بـ“لو” و”لولا” وغيرها. النفي المنتشر بكثافة كبرى في النصوص التي تقترح نفسها شعرا، ليس إشكاليا في ذاته، فهو أسلوب لغوي كغيره، قد تزخر به حتى هذه الأسطر. لكن الإشكال هو أن يتحول النفي إلى نمط، نتفهم غضب النصوص من الواقع وسعيها المطلوب لتغييره ومحاولتها نفيه وتفجيره بأصابع أدوات النفي، لكن ماذا ستخلق هذه النصوص بعد النفي.

أعطيكم مثلا لذلك، قرأت نصا يقول فيه الشاعر ما معناه أنه لا يحب الصباح ولا أمه ولا بلده ولا الحياة ولا ولا ولا، ليقفل بإثبات لحبه حبيبته. طبعا وذاك موضوع آخر يمكننا أن نتخيل بنية النص الذي يعدد أشياء ثم يقفل بسطر هو انزياح، وهذه بنية هناك من ألف فيها كتابا شعريا كاملا، وتقريبا لم يتجنبها أحد حتى كاتب هذه الأسطر. لكن بعيدا عن بنائه الشكلي، اقترحت في ذهني ماذا أراد الشاعر قوله، ينفي كل شيء فقط من قبيل المخالفة ويثبت حبيبته، ألم يطرح في ذهنه كيف يرسم حبيبته بطريقة أخرى، فالشعر في رأيي الخاص خلق، أي حياة وليس قتلا مطلقا.

نلاحظ الاستعمالات التي يغيب عنها الوعي بشكل كلي في تحبير النصوص الشعرية، التي يظن كتابها أنه يكفي أن تتقاطع مع قارئ أنكما كلاكما شربتما قهوة في كافيتيريا الجامعة، أو كان لديكما جورب مثقوب، أو قتل لكم أحدهم في الحرب، أو قرأتما الفاتحة على قبر الحب … إلخ من الإمكانات، لكن هل يكفي هذا؟ ألا يجب تحويل هذه المادة إلى عالم مصقول حيّ عابر للحظة داعيا إلى البحث في نشوة؟

سأورد هنا ما قاله بورخيس في محاضرته المبهرة حول الشعر في باريس، والتي كانت بالمناسبة لمن يرفعون شعار القطيعة بين الشعر والسرد فاتحة أمام الأدب اللاتيني ككل، يقول بورخيس “نبحث عن الشعر، نبحث عن الحياة، والحياة مكونة – وأنا واثق من ذلك – من الشعر، الشعر ليس غريبا، إنه يترصد، كما سنرى، عند المنعطف، ويمكن أن يبرز أمامنا في أي لحظة”.

هو كذلك فعلا، ومن وظائف الشعر الدخول إلى المنعطفات والأزقة والمجاهل، لكنه يدخل بحواس مفتوحة، بذكاء الخالق، وتمثله الذي يتجاوز الظاهر ويغوص في طبقات الأشياء والعناصر المحسوسة والمجردة. لا أدعو إلى عقلنة الشعر التي سقطت فيها أصوات بليدة كثيرة، بل أدعو إلى الشحذ الدائم للفكر واللغة، عصا التوازن التي تمكن الشاعر من المشي الشغوف على خيط عالمه الشفيف.

شاعر تونسي

محمد ناصر المولهي

:: مقالات أخرى لـ محمد ناصر المولهي

محمد ناصر المولهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر