الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

أكراد سوريا.. المغدورون الجدد من واشنطن

إشكالية واشنطن في المسرح السوري أنها لم تنخرط في المشهد السياسي والعسكري بالشكل الذي يجعلها مؤثرة ومحددة، ولم تختر الحليف الميداني القادر على تغيير المعادلات والتوازنات في الميدان.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/11/30، العدد: 10828، ص(9)]

لا تموت الإمبراطوريات بسكتة القلب ولا تغادر مسرح الأحداث فجأة وترحل من مشهدية الفعل والتغيير دون سابق إنذار، ذلك أنها تنسحب رويدا رويدا وبهدوء ناعم من خلال الاستقالة الطوعية من الهوامش والتقوقع صلب المركز.

وكما تنتقل الدول القوية والنامية من قوى محلية إلى قوى إقليمية، ومنها إلى إمبراطوريات دولية كبرى، فإنّ التقهقر والسقوط من فضاء المكاسرات الدولية والسياسية والاستراتيجية يكونان بالضمور من الجغرافيات البعيدة نحو الجغرافيات القريبة ومنها إلى الجغرافيات المحلية بما يعني هذا الأمر من إعادة تشكل وتشكيل لمفهوم وسياقات وأبعاد الأمن القومي.

وهنا بالضبط، يكون أول من يتحسس خروج القوى الإمبراطورية من سياق العالمي نحو الإقليمية ومنها إلى المحلية، الحليف الاستراتيجي الذي يتلمس الخذلان في صميم المعركة وفي قلب الاستحقاق.

خاض أكراد العراق معركة استفتاء تقرير المصير بعناوين الاستقلال والتحرر داخليا وبالمظلة الأميركية خارجيا، وكانت العبارة السياسية الأكثر تداولا في أربيل أن واشنطن التي دعمت كردستان العراق في نيل الحكم الذاتي كاملا، وفرض الحظر الجوي العراقي على جغرافيتها عام 1991 والتي نالت دعما من الأكراد خلال احتلال العراق عام 2003، لن تبخل عن الأكراد في نيل الجائزة الكبرى.

كان مسعود البارزاني موهوما خلال المؤتمر الصحافي لإعلان استفتاء تقرير المصير، “نصف متأكد نصف واهم” بأنّ واشنطن التي فرضت الطائفية الدستورية والفيدرالية والتقسيم الناعم في دستور بول بريمر لن تتردد في وضع ثقلها السياسي في كفة ميزان الأكراد، لتفرض الانفصال واقعا ملموسا رضيت بغداد أو أبت.

تخلت واشنطن عن حلفائها التاريخيين والاستراتيجيين في المنطقة، ولولا الوزن الاعتباري والرمزي الذي يحظى به مسعود البارزاني ضمن المشهد الكردي أولا والعراقي ثانيا، لوجد نفسه ملاحقا قضائيا وسياسيا من حلفاء إيران في الإقليم وفي العاصمة، ولاستنسخ بشكل درامي ومأساوي مصير ومسار عبدالله أوجلان.

تفعل واشنطن مع أكراد سوريا ما فعلته مع أكراد العراق، تتولى عنهم عند الزحف الإيراني، وتتخلى عنهم عند المكاسرة الإيرانية التركية راضية بأن يصبحوا بين فكي كماشة التمدد الإيراني والاستئصالية التركية.

هي المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي كانت بداية الاستدارة الأميركية الفعلية حيال أكراد سوريا، حيث أعلنت واشنطن عن مراجعة إمداد السلاح للجناح السوري لحزب العمال الكردستاني.

مرة ثانية، تترك واشنطن حلفاءها في قلب المعركة غنيمة سهلة ولقمة سائغة لكافة المتربصين، ومرة أخرى أيضا تتساقط الخطوط الحمراء الأميركية في المشهد السوري أمام مرأى الحليف قبل الغريم.

إشكالية واشنطن في المسرح السوري أنها أولا لم تنخرط في المشهد السياسي والعسكري بالشكل الذي يجعلها مؤثرة ومحددة، وثانيا أنها لم تختر الحليف الميداني القادر على تغيير المعادلات والتوازنات في الميدان.

فلا الجيش الحر كان قادرا على السيطرة على المدن الكبرى ولا الميليشيات الكردية كانت مؤهلة للذهاب أكثر من الرقة والبوكمال. فالأول تمّ اختراقه من التنظيمات الإرهابية إلى درجة أنه صار شكلا دون مضمون، في حين أن الثانية كانت نقطة تقاطع مفارقاتي لأعداء السلاح، ويكفي أن دمشق وأنقرة في خضم الاحتراب توافقتا على محاربتها.

لم يجانب السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد الصواب، حين اعتبر أنّ بلاده تفتقد للاستراتيجية وللمنهجية في التعامل مع سوريا في خضم إصرار إيراني تركي روسي على تقاسم الكعكة الشامية وفق المصالح الكبرى للعواصم الثلاث. السفير فورد أورد بلغة ذات مسحة تراجيدية بأنّ أكراد سوريا سيكتشفون متأخرا بأن واشنطن ليست شريكا إقليميا أو دوليا يمكن الاعتماد عليه في الحروب الكبرى والمعادلات العظمى.

المفارقة أنّ الأكراد وتركيا اللذين تسابقا على نيل الرضا الأميركي إبان السنوات الماضية من عمر الحرب في سوريا يتسابقان اليوم على أبواب موسكو- دمشق لنيل الحدّ الأدنى من الأهداف السياسية والعسكرية.

لم يتأخر أردوغان في مغازلة دمشق عبر إبراق رسالة مفتوحة عنوانها التقارب مع الرئيس السوري بشار الأسد على قاعدة محاربة العدو الكردي “الانفصالي”، في المقابل استبقت بعض الميليشيات الكردية “تقارب يوم القيامة” فأرسلت رسالة الانضواء صلب الجيش السوري عبر رياض درار، الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية، الذي صرح بأن قوّاته “ستنضمّ إلى الجيش السوري الذي سيَتكفّل بتَسليحِها عندما تتحقّق التسوية السوريّة”.

بمقتضى هذه التحولات، من المرجح أن تكون المنازلة القادمة في سوريا، بين القوات النظامية مدعومة من الأكراد، وبين القوات التركية المتمركزة في الشمال السوري. صحيح أن دمشق ترفض أي وجود انفصالي في شمالها الشرقي، لكنها لا ترفض وجودا انفصاليا تركيا في جغرافيتها الشمالية.

ولن نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ جزءا من التسوية القادمة في الشام وبين دمشق وأنقرة ستبنى على فك الارتباط التامّ مع إرهابيي إدلب والشمال السوري من الجهة التركية، ومع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني من الجهة السورية. هكذا يتحوّل الأكراد إلى هوامش وبيادق في يد المركز والقوى الإقليمية والدولية، بعد أن تخلت عنهم واشنطن في أمّ المعارك.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

:: اختيارات المحرر