الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

الثلاثاء 23 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10878

مؤتمر جنيف: معارضة مهزومة ونظام لا يمكن إصلاحه

إذا كان النظام السوري لم يتغير إلى الدرجة التي تسمح بحدوث خرق في المفاوضات ونقلها من العبث إلى قدر من الجدية، فإن وفد المعارضة والسياق الإقليمي والدولي تغيرا بصورة جوهرية خلال العامين الماضيين.

العرب سلام السعدي [نُشر في 2017/12/02، العدد: 10830، ص(8)]

عاد مؤتمر جنيف للانعقاد مجددا في نسخته الخامسة وهو ما يطرح سؤالا حول مدى اختلافه عن النسخ الأربع التي سبقته منذ انطلاق المفاوضات السياسية بين النظام السوري والمعارضة.

خلال أربع سنوات من جهود التسوية، لم يكن النظام السوري مستعدا لتقديم تنازلات تسمح بتوسيع المشاركة السياسية حتى ضمن حدودها الدنيا. وكان ذلك يتسبب في فشل المفاوضات في كل مرة حتى قبل أن تبدأ، وذلك عبر مماطلة النظام السوري ومطالبته بالتفاوض على جدول الأعمال بدلا من الانتقال السياسي، وذلك لتفريغه من محتواه عبر إدراج مسألة الحرب على الإرهاب كبند وحيد فيه. كما ركز نظام الأسد دوما على عدم شرعية وفد المعارضة، وأنه لا يمثل المعارضة الوطنية بل معارضة عميلة لدول خارجية تريد تدمير الدولة. وكانت المفاوضات تنتهي بتصاعد مثل تلك النقاشات الهادفة إلى التشويش، وبمناوشات إعلامية فارغة في ظل لا مبالاة دولية.

لا يمكن تفسير ما كان يحصل إلا بالعودة إلى طبيعة النظام السوري الطغيانية غير القابلة لأي نوع من أنواع المشاركة السياسية.

يختلف نظام الأسد في ذلك عن الكثير من النظم الدكتاتورية حيث تتركز القوة بين أيدي العائلة الحاكمة التي تخلق شبكة من الأذرع الأمنية والاقتصادية تشكل حولها ائتلافا حاكما. هذا النوع من الأنظمة، الذي يعتبر الدولة ومؤسساتها وجيشها وحتى الشعب ملكية خاصة، ليس نظاما دكتاتوريا فحسب، بل هو نظام طغياني غير قابل للإصلاح، مهما تدنت درجات الإصلاح المأمول.

لقد ثارت شرائح واسعة من السوريين على تلك الطبيعة المصمتة للنظام السوري، وبسبب تلك الطبيعة بالذات تحولت الثورة السلمية إلى حرب أهلية وجرى تدمير البلاد وقتل نصف مليون سوري وتهجير نحو ثمانية ملايين آخرين. هكذا، فمن المفهوم تماما أن تمنع بنية النظام السوري الطغيانية نقاش انتقال سياسي سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى تفكيكها.

ومع مرور سنوات الحرب وتحقيق التدخل الروسي الذي بدأ في العام 2015 لأهدافه بإعادة تثبيت النظام السوري الذي كان موشكا على السقوط، بدأت كفة الحرب وموازين القوى تميل لصالح نظام الأسد.

ومع هزيمة الدولة الإسلامية في سوريا والعراق والانتهاء الفعلي للحرب بين النظام السوري والمعارضة عبر مناطق خفض التصعيد، يمكن القول إن النظام السوري قد تجاوز مرحلة التهديد الوجودي، وأنه سوف يستعيد سلطته على مناطق أوسع بمرور الأيام. هكذا، حافظ النظام السوري على بنيته المصممة، وهو ما يجعل مصير مؤتمر جنيف الحالي يبدو كمصير المؤتمرات التي سبقته.

ولكن، إذا كان النظام السوري لم يتغير إلى الدرجة التي تسمح بحدوث خرق في المفاوضات ونقلها من العبث المطلق إلى قدر معقول من الجدية، فإن وفد المعارضة والسياق الإقليمي والدولي قد تغيرا بصورة جوهرية خلال العامين الماضيين.

طرأت تغيرات هائلة على المعارضة السورية في تلك الفترة، ولتجنب الدخول في تفاصيل تلك التغيرات يمكننا الإشارة إلى مآلها والمتمثل بالهزيمة المدوية على المستوى العسكري والتي انعكست بصورة مباشرة على المستوى السياسي. تذهب تلك المعارضة اليوم إلى المفاوضات بعد أن أجبرت على تغيير تركيبتها وعلى إدخال عناصر ترتبط بصورة مباشرة بالاستخبارات السورية والروسية (منصة موسكو)، وذلك لكي تكون مستعدة لتقديم التنازلات السياسية وللتعايش مع حقيقة الطبيعة المصمتة للنظام السوري.

حصلت المعارضة، كما جرت العادة، على وعود إقليمية ودولية تفيد بأن ضغوطا جدية سوف تمارس على النظام السوري لتقديم حد أدنى من التنازلات.

وتتمثل تلك التنازلات المحتملة بحصول انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة بمراقبة دولية، وبمشاركة المعارضة في العملية السياسية من دون قيود وبعودة اللاجئين السوريين.

والحال أن العارف بطبيعة النظام السوري يعلم تماما أنه غير قادر على تقديم أي قدر من التنازلات في مناطق سيطرته. لذلك فإن العرض الأكثر سخاء كان قد تقدم به لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال سوريا، وعرض عليه الحصول على إدارة ذاتية في بعض المناطق مقابل الانسحاب من مناطق أخرى.

سلوك وفد النظام السوري إلى مؤتمر جنيف يعزز من فرضية أن طبيعته غير القابلة للإصلاح والتنازل لا تزال جوهرية وقائمة. إذ لا يزال هذا الوفد يمارس أسلوب المماطلة والتشويش، تارة برفض السفر إلى جنيف أو بتأخر وصوله، وأخرى برفض تمديد المفاوضات والمطالبة بالعودة إلى دمشق للتشاور. لذلك لا يوجد أي سبب يجعلنا نتوقع أن مماطلة النظام السوري وتشويشه على القضايا الجوهرية سوف يتوقفان.

بالطبع، يمكن ملاحظة أن الجهود الإقليمية والدولية الخاصة بحل النزاع السوري قد تصاعدت بصورة غير مسبوقة، وهو ما يثير التفاؤل لدى البعض بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية في وقت قريب.

على أن تلك الجهود، وإن كانت حقيقية، وتبتغي حدوث تغيير سياسي، مهما كان طفيفا، سوف تضطر إلى الصدام مع الطبيعة الطغيانية للنظام السوري.

ربما أحدثت الحرب الطويلة ومشاركة روسيا بصورة فاعلة وتغلغلها داخل بنية النظام السوري تصدعات محدودة في تلك البنية. ولكن دفع تلك التصدعات وتوسيعها هو عمل خطر للغاية. كما أن روسيا أثبتت مرارا أنها إما غير قادرة على، وإما غير راغبة، ممارسة ضغوط نوعية على النظام.

هنالك عدة احتمالات لما قد يؤول إليه مؤتمر جنيف 8: إما أن تتخذ روسيا قرارا بتوسيع تلك التصدعات ما يجبر النظام السوري على التسوية، وإما أن تسلم المعارضة بالهزيمة وتقبل ببنية النظام الطغيانية، وإما أن تفشل المفاوضات ويلقى باللوم في كل ذلك على المعارضة، قبل أن يجري حشرها في إحدى العواصم العربية لإعادة هيكلتها من جديد.

كاتب فلسطيني سوري

سلام السعدي

:: مقالات أخرى لـ سلام السعدي

سلام السعدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر