الاربعاء 24 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10879

الاربعاء 24 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10879

النقد فن أيضا

تعالي النقد على النص أو العكس هو انحراف عن دور النقد وعن العلاقة الحوارية بينهما، وفي كل حوار لا بد من الإصغاء إلى الآخر والود في العلاقة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/12/05، العدد: 10833، ص(15)]

المحاولات التي بذلتها البنيوية بنظرياتها المتعددة، وقبلها نظريات اللغة لتحويل النقد إلى نظرية علمية، فشلت في تحقيق هدفها ذلك لأن النص خارج التقعيد، وبالتالي لا يمكن قوننته، كأي ظاهرة طبيعية. لقد تجلى هذا الفشل في تعدد النظريات النقدية، التي ظهرت بعد ذلك متجاوزة في أطروحاتها تلك المحاولات.

كذلك فإن النقد ليس مجرد نظرية تقوم على قواعد وأسس منهجية محددة وحسب، بل هو فن أيضا، فن في استخدام هذه القواعد والأدوات وطرق تحقيق أهدافها في تحليل ودراسة النص، كما تمليها حاجة النص، والعلاقة الحوارية بين الناقد والنص؟

صعوبة ضبط النص الأدبي وتقنينه، تقابلها صعوبة ضبط النظرية النقدية، كما يظهر ذلك من تعدد اتجاهاتها، لكن المشكلة ليست هنا، إنها في مكان آخر هو الكيفية التي فيها التعامل مع المنهج أو النظرية النقدية لكي تحقق أهدافها على مستويين؛ مستوى النص ومستوى المتلقي. النقد الأكاديمي في غالبيته يتعامل مع النظرية النقدية بصورة جامدة، لأن أصحابه يلتزمون بحرفية المنهج أكثر مما يهتمون بطرق وأساليب توظيف هذه المفاهيم، خاصة مع كثرة المصطلحات الغريبة وتعقيدها. هذه الإشكالية تجعل الدراسات الأكاديمية في الغلب ذات طابع جاف، وموجهة لفئة محددة من أصحاب الاختصاص.

النص الأدبي يتميز ببنيته المخاتلة بسبب طبيعة اللغة الأدبية، وما تنطوي عليه من تنوع أسلوبي وجمالي. إن هذه الطبيعة الخاصة للنص تحتاج إلى مرونة في المنهج وفن في اختيار أدواته. أحيانا تتطلب الدراسة الاستعانة بأدوات تحليلية من خارج النظرية، تستدعيها حاجة النص ونجاعة المقاربة. كذلك لا بد للناقد من أن يظهر براعته في إدارة العلاقة الحوارية بين المنهج والنص الأدبي.

إن النظرية النقدية ليست مجرد مجموعة من الأدوات النظرية والإجرائية، التي تسمح معرفتنا بها بتطبيقها بصورة وافية وناجحة، طالما أننا لا نتعامل مع نص ثابت ومحدد يمكن أن نطبق عليه هذه الأدوات. تحتاج الممارسة النقدية من الناقد قدرة على تطويع النظرية لما تمليه عليه حاجات النص، في ضوء قراءته له ومعرفته ببنيته الكلية، وتسليمه المسبق بأن النظرية النقدية لا تمتلك سلطة على النص، تخضعه بموجبها لتحليله وتفكيك عناصره، وإلا لما احتاج النقد إلى نظريات جديدة.

ثمة نقاد أكاديميون وآخرون غير أكاديميين استطاعوا التعامل مع النظرية النقدية بمرونة منهجية وفنية، ساهمت في نجاعة الوصول إلى عمق النص، وتحليل مكوناته البنائية والدلالية والجمالية. تعالي النقد على النص أو العكس هو انحراف عن دور النقد وعن العلاقة الحوارية بينهما، وفي كل حوار لا بد من الإصغاء إلى الآخر والود في العلاقة.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر