الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

الاحد 21 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10876

رمزية القدس والتوظيف السياسي

في رمزية القدس في الوجدان العربي والإسلامي والمسيحي والإنساني تتداخل المصالح والأهداف دون تحقيق خطوة سياسية واحدة على طريق استرداد حقوق الفلسطينيين في أرضهم.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2017/12/12، العدد: 10840، ص(9)]

لعل خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها تعيد للقضية الفلسطينية اعتبارها بعد أن كاد العرب والعالم ينسونها في خضم ما تعيشه المنطقة من زحمة الأزمات والمشاكل، بعد أن تحولت قصة اللاجئين السوريين والعراقيين إلى فصل جديد أكثر مأساوية من تلك التي وقعت للفلسطينيين خلال نكبة 1948 وما بعدها، إضافة إلى مجمل معاناة الليبيين واليمنيين التي تغرق بها وكالات الأنباء والصحف وشبكات التلفزيون العالمية.

فحسابات ترامب ابتعدت وتخلت كليا عن معايير الدبلوماسية لدولة كبرى كالولايات المتحدة جعلت من نفسها منذ تسعينات القرن الماضي القطب الأوحد الذي يدير الشؤون الاستراتيجية والسياسية والأمنية للعالم، وهي البلد الذي يستضيف مقر الأمم المتحدة ووظفت نفسها وسيطا لحل أكبر قضية عربية وإسلامية وعالمية هي قضية احتلال إسرائيل لفلسطين خصوصا بعد الخامس من يونيو 1967.

وتصدرت مدينة القدس هذه المشكلة في قرارات مجلس الأمن اللاحقة لذلك العام والتي لم تقترب من موضوع القدس وتركته لما سمي بمفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد أن تم جر دول العرب المجاورة لإسرائيل إلى اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة، فيما ظل احتلال هضبة الجولان السورية عنوانا لما يسمى محور المقاومة الذي يستخدمه النظام السوري منذ خمسين عاما إلى جانب جزء من مزارع شبعا في الجنوب اللبناني.

وأصبح هذا العنوان محورا إعلاميا وتعبويا بعد قيام حزب الله في لبنان بقيادة حسن نصرالله وبعد أن وضعه نظام الخميني عام 1978 كواحد من مرتكزات ومبررات مشروع تصدير الثورة الذي جعل من رمزية القدس عنواناً له. ويتذكر من عايش الأيام الأولى للحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988 الشعار التعبوي الإيراني “الطريق إلى القدس يمر من كربلاء”، حيث كان الفتية الإيرانيون المقادون إلى جبهات القتال يضعونه كرقعة خضراء يشدون بها رؤوسهم المشحونة بشعارات كربلاء ويحصلون على تبريكات رجال الدين على خطوط الجبهات مع العراق.

واضح أن قرار ترامب جاء تلبية لشعار انتخابي داخلي، وفاء وإرضاء للتيارات الأميركية المحافظة واليمينية المتطرفة التي انتخبته، مع أن هذه النقطة ليست جوهرية لدى الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه ورفعوا ذات الشعار منذ إقراره في الكونغرس عام 1995 ولم ينفذوه، لكن هذا الرئيس تحاصره مشكلات معقدة مع احتمالات الوقوع بفضيحة الانتخابات التي قد تطيح برئاسته.

لقد استنكر العالم كله قرار ترامب ووصفه أعضاء مجلس الأمن بأنه أحادي الجانب بالمفهوم القانوني والإجرائي، وكانت جلسة المجلس بتاريخ 8 ديسمبر الجاري مسرحا لمحاكمة الرئيس الأميركي وتأنيبه على خطوته لدعم إسرائيل في شرعنة اغتصابها لكل القدس، وتحذير أعضائه بأن دورة من العنف في المنطقة ستتفجر من جديد خصوصا بعد نهاية داعش في كل من العراق وسوريا.

الخطوة الترامبية خدمت مشروع النفوذ الإيراني في المنطقة وعززت شعاراتها بأنها تقود المقاومة في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن وجزء من فلسطين

وسيسجل لهذا المجلس وقفته الموضوعية حفاظا على سجل الأمم المتحدة تجاه هذه القضية منذ عام 1948 ولحد الآن، ولم يأت هذا الموقف نتيجة نشاط لوبي فلسطيني أو عربي أو إسلامي، رغم فجاجة رد المندوبة الأميركية بأن بلدها “لا يحتاج إلى أحد من دول المجلس ليعلمه كيف يتعامل مع إسرائيل”. ليس غريبا الموقف الأميركي الداعم لإسرائيل، لكن وصوله إلى مستوى الإخلال بأهم قاعدة سياسية للتفاوض سيقود بدون شك إلى البحث عن راع دولي جديد يستند إلى مجمل قرارات الأمم المتحدة، ولهذا أعلنت روسيا بنفس تاريخ جلسة مجلس الأمن الدولي مبادرتها برعاية المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على غرار قيادتها لمفاوضات الأزمة السورية.

أضر ترامب بمصداقية أميركا ولن تتمكن دبلوماسيتها من تعديل هذه الانتكاسة وتغطيتها لفترة مقبلة، رغم المحاولات الركيكة لوزير خارجيته ريكس تيلرسون بالإيحاء بأن بلاده ستستمر في رعاية قضية السلام، وجولة نائبه مايك بنس في المنطقة.

هل انتظر العرب سبعة عشر عاما بعد انتفاضة القدس عام 2000 لكي توخزهم إعلامياً خطوة ترامب، ولا شيء غير الإعلام والمواقف الاستنكارية الرسمية المحسوبة، فلم تُقْدم أية دولة عربية أو إسلامية على غلق السفارة الأميركية أو قطع العلاقات الدبلوماسية حتى من قبل الدول الموقعة على سلام وهدنة دائمة كموقف دبلوماسي يؤكد مكانة القدس لدى العرب، ما عدا البيان الخجول للجامعة العربية وهي غير ملامة لأنه لا يمكنها أن تقدم أكثر من ذلك.

أما حالة الغضب والتظاهرات الشعبية في بلدان العرب والمسلمين والعالم، فهي تؤكد مكانة القدس وفلسطين في الوجدان العربي والإنساني، لكن موجة الغضب العاطفي هذه ستبرد وتتلاشى لعدم وجود قيادات سياسية عربية لها مكانتها لدى الإنسان العربي تستطيع قيادة الشارع العربي من دون أجندات وتوظيفات طائفية لا تخدم العرب، بل تسعى إلى تمكين قوى النفوذ الإقليمي غير العربي.

إن الخطوة الترامبية قد خدمت مشروع النفوذ الإيراني في المنطقة، وعززت شعاراتها بأنها تقود المقاومة الإسلامية في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن وجزء من فلسطين المحتلة. نفذ ترامب نصائح مستشاريه بأن الحناجر العربية ستخبو بعد أيام، وإذا ما حصلت انتفاضة ثالثة جديدة فهي لن تزعج إسرائيل ولا أميركا في ظل انقسام بين فصيلي حماس ومنظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية لم تعد لها مكانة اعتبارية أو سياسية وهي خاضعة للسيطرة الإسرائيلية ومحمود عباس لا يستطيع مغادرة رام الله دون إذن إسرائيلي، ولهذا لا يفرط بها قادتها لخشيتهم من العودة إلى الشتات في ظل حالة الانكسار العربي وفقدان تلك المكاسب الشخصية.

كما أن “الممانعة” في الجنوب اللبناني لن تتعدى في مواجهتها البرنامج الإعلامي التعبوي الذي قدمه حسن نصرالله عشية القرار الأميركي من مظاهرات واحتجاجات ورسائل على مواقع التواصل الاجتماعي، فهذا في نظره “أضعف الإيمان” دون أن يعرف أحد ما هو “أقوى الإيمان أو أوسطه”.

الحدث الترامبي عزز موضوع الانقسام العربي بين معسكري إيران والعرب. قصة القدس رغم مكانتها العميقة لدى الإنسان العربي تُستغل الآن وتوظف لتأجيج حملات التشكيك والتعبئة الإعلامية المتبادلة بين الفريقين المستقطبين عربياً. أنصار المعسكر الإيراني يوظفون تلك الخطوة لتأجيج الاتهامات ضد العرب وفي مقدمتهم السعودية بأن صديقهم ترامب قد خدعهم واستلب ملياراتهم ثم فاجأهم بهذه الخطوة، بل إن بعض حملات التعبئة الخاضعة لمشروع “المقاومة الإيراني” تدعي أن خطوته جاءت بتنسيق سعودي خليجي لتنفيذ صفقة القرن لوضع مدينة أبوديب المجاورة لمدينة القدس بديلا وعاصمة للدول الفلسطينية المنتظرة.

أما أنصار معسكر العرب الذين فتحوا سياسيا منذ فترة معركة الدفاع عن النفس ضد التغلغل الإيراني في المنطقة ودول الخليج بصورة خاصة، فحملاتهم الإعلامية وتعبئتهم ترتكزان على تكذيب دعاوى أولئك الذين يدّعون مناصرتهم وبكاءهم على القدس وتحت شعارات “المقاومة والممانعة”، ويتهمون الفريق الإيراني وأدواته ويتساءلون أليس من يرفعون شعارات القدس هم الذين دمروا في كل من سوريا والعراق المئات من المساجد وقتلوا العشرات من أئمتها دون وجه حق ويتموا الملايين من الأطفال في العراق ومثلهم الأرامل وتم تشريد مئات الآلاف من ديارهم تحت مبررات طائفية سياسية.

في رمزية القدس في الوجدان العربي والإسلامي والمسيحي والإنساني تتداخل المصالح والأهداف دون تحقيق خطوة سياسية واحدة على طريق استرداد حقوق الفلسطينيين في أرضهم، لكن هذه الرمزية ثابتة، غير أن الشعارات تتجدد لتوظيفها مجددا للمزيد من الهيمنة الخارجية في ظل غياب إرادة الإنسان العربي.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

:: اختيارات المحرر