الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

أعمق من ثورة جياع

الأزمات السياسية التي تعيشها بلدان الربيع العربي هي دليل على أن التصحر السياسي الذي عاشته لا يمكن أن يتحول إلى بيئة خصبة تنبت عملية سياسية سوية.

العرب عبدالجليل معالي [نُشر في 2017/12/19، العدد: 10847، ص(12)]

ليس بالخبز وحده تحيا الشعوب

بعد سبع سنوات من حدث البوعزيزي في محافظة سيدي بوزيد التونسية (الجمعة 17 ديسمبر 2010) تبدو العودة إلى تلك المنطلقات الحدثية التي تشظت إلى أكثر من قطر عربي، مفيدة لفهم اللحظة الراهنة، في النسخ العديدة المختلفة من موسم سُمي “الربيع العربي”.

منهجيا، العودة إلى يوم 17 ديسمبر 2010، ونظائره العربية الكثيرة المقصود بها المرحلة التي سبقت الثورات العربية أو السياقات التي فرضت أو أدت إلى اندلاعها، تبدو ممكنة اليوم، بعد أن توفر الحيز الكافي (منهجيا) للنظر إلى تلك المرحلة بهدوء لم يكن متاحا وممكنا أثناء لحظات الصعود الثوري.

الإقرار بأهمية العامل الاقتصادي في تحديد ما حصل (تباعا) في تونس ومصر وليبيا وسوريا، لا ينفي أهمية العوامل الأخرى، السياسية خاصة. والقول إن الشعوب العربية ثارت ضد وطأة الضغوط الاقتصادية والمعيشية والتنموية، لا يكفي لتفسير الحدث، من منطلق القاعدة السوسيولوجية العلمية القائلة إن الظاهرة لا تفسر بعامل وحيد، ومن منطلق أن الأحداث كانت أكبر من أن تعاد فقط على الدافع الاقتصادي على أهميته، وأيضا لأن التركيز على الاقتصاد قد يحول الثورات العربية إلى ثورات جياع، وهو توصيف قاصر لما حدث ولما تلاه.

تردي العامل الاقتصادي في تونس أو في مصر وفي غيرهما (في ليبيا كان الوضع أقل حدة اقتصاديا وهو ما يجعل الأسباب السياسية أكثر وجاهة) كان قائما منذ عقود، لكنه لم يؤد إلى إشعال ثورات رغم اندلاع العديد من الأحداث الشبيهة أو المؤهلة لأن تتحول إلى ثورة؛ أحداث الحوض المنجمي في تونس- مثلا- كانت أكثر قوة، وأطول زمنيا من ثورة 2010 (امتدت من يناير إلى يونيو 2008) لكنها افتقدت إلى عناصر توفرت لاحقا في ثورة 17 ديسمبر.

في دولة مثل ليبيا كان الوضع فيها أقل حدة اقتصاديا وهو ما يجعل الأسباب السياسية لثورات الربيع العربي أكثر وجاهة وإقناعا

يضاف إلى هذا البعد أن الشباب الذي اندفع للهتاف ضد نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، لم يكن في أغلبه من شباب الأحياء والمدن الفقيرة والمهمشة، إذ حدثت أغلب “المنازلات” مع نظام بن علي على شبكات التواصل الاجتماعي، (فيسبوك) والتي تحولت إلى منصات تمد وسائل الإعلام الأجنبي بالصورة والمعلومة والنقل المباشر للأحداث والمظاهرات.

وهو بعد كان مفقودا في أحداث الحوض المنجمي، التي حوصرت إعلاميا قبل أن تحاصر أمنيا، ولم تلق التعاطف والتجاوب الإعلاميين التي لقيتهما ثورة 17 ديسمبر، خاصة من الخارج.

غياب الأحزاب والبرامج السياسية عن تصدر الاحتجاجات التونسية، لا يمكن أن يستعمل لنفي حضور المنطلقات السياسية عن الأحداث التي جدت بين 17 ديسمبر 2010، و14 يناير 2011، أو عن دوافعها، بل يمكن اعتباره دليلا إضافيا عن العوامل السياسية للثورات العربية. إذ عبر الغياب عن إرث طويل من سياسة الحزب الواحد، ومساعي التوريث (في مصر خاصة) وتحويل البلاد العربية إلى مزرعة خاصة بالعائلات الحاكمة، ينهشها الفساد والمحسوبية وعلاقات الزبونية المستشرية.

وهي أسباب تفاعلت لتصنع مشهدا سياسيا يكاد يتكرر في نسخ عربية كثيرة قوامه حزب حاكم يهيمن على كل شيء يستحيل إلى ما يشبه الدولة، وأحزاب موالاة تدور في فلكه، وأحزاب معارضة مطاردة وملاحقة أو يسجن رموزها وقادتها، والمشهد ذاته ينسخ في المجتمع المدني والإعلام وكافة المجالات المعنية بالشأن العام.

وإذا كان التهميش الاقتصادي وفشل المناويل التنموية، معطى اقتصاديا أساسيا، فإنه يعبر أيضا في وجه من وجوهه عن فشل السياسات التي تقف وراءه، والتي تصر على تكرار الأخطاء وانتظار نتائج مغايرة، وتقصي كل القوى التي تنتقد الوضع السائد أو تسعى لتقديم البدائل.

وإذا كان شعار “التشغيل استحقاق يا عصابة السراق” الذي رفع في أكثر من مدينة وقرية تونسية، شعارا يطالب بالعمل باعتباره من حقوق الإنسان، فإنه يمثل في عمقه وجوهره إدانة للعملية السياسية التي أدت إلى ارتفاع نسب البطالة وإلى تعمق التهميش والفوارق الاجتماعية الحادة.

ولعل الأزمات السياسية التي تعيشها بلدان الربيع العربي مؤخرا (والتي تبدأ من الانسداد السياسي بين الفرقاء السياسيين وتصل مرحلة الحرب الأهلية كما هو في سوريا وليبيا واليمن) هي دليل إضافي على أن التصحر السياسي الطويل الذي عاشته تلك الأقطار العربية، لا يمكن أن يتحول إلى بيئة خصبة تنبت عملية سياسية سوية.

وإن إسقاط نظام حكم فاسد أو مستبد يمكن أن يكون عملية يسيرة، ولكن التحدي الأعسر هو بناء نظام سياسي سوي ومدني، ولعل الواقع السيء الذي تعيشه أقطار الربيع العربي بعد 7 سنوات من الثورة التونسية، هو الذي أجبر فئات واسعة من الشعوب العربية على الكفر بالثورات والحنين إلى يوم ما قبل البوعزيزي.

عبدالجليل معالي

:: مقالات أخرى لـ عبدالجليل معالي

:: اختيارات المحرر