الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

عام ثقافي جديد

ثقافة التجديد والحداثة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن الحامل الاجتماعي، الذي ينتج ثقافته ويعمل على ترسيخها، في ظل شروط سياسية واجتماعية وتربوية أصبحت معروفة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/12/19، العدد: 10847، ص(15)]

أيام قليلة وتطوي الثقافة العربية عاما آخر دون إنجازات تذكر، أو بوادر أمل بمرحلة نهوض جديدة. العمل الثقافي العربي في أسوأ مراحله، والمنظمات الثقافية العربية شبه غائبة، أو تحولت إلى ذكرى من زمن مضى. هذا لا يعني أن العمل الثقافي العربي كان في السنوات القليلة الماضية أفضل حالا، فالثقافة كانت ومازالت جزءا من واقع الحال المتردي سياسيا واقتصاديا وتربويا، مع استمرار هيمنة الدولة على الحياة الثقافية، والتراجع الكبير في دور المراكز الثقافية العربية التقليدية.

إن هذا الواقع يزيد من حجم التحديات التي تواجهها الثقافة العربية، لا سيما بعد زلزال الانتفاضات العربية، وبروز التحدي الذي فرضه ظهور الفكر المتطرف والمحافظ. لذلك لا بدَّ من مراجعة نقدية، علمية وموضوعية للواقع الثقافي أولا، وللسياسات الثقافية وعمل مؤسساتها لتطوير أساليب عملها، وتفعيل دورها من خلال برامج مدروسة تشرف عليها نخب كفؤة ومعنية بالهم الثقافي.

إن دراسة العوامل الداخلية التي أسهمت في تراجع دور الثقافة في المجتمع، لا تعني تجاهل الأثر الكبير للعولمة وثقافة الاستهلاك على واقع الثقافة، في عصر الثورة الرقمية والفضاءات المفتوحة، باعتبار ذلك تحديا إضافيا، مازلنا ضائعين حول الخيارات الأفضل للتعامل معه.

لكن الغريب والمثير للدهشة أننا بدلا من العمل على تطوير واقع الثقافة وتوسيع هامش الحريات العامة، نجد تراجعا واضحا في هذا الهامش، وفي تعزيز مكتسبات ثقافة الحداثة والتجديد في بعض المجتمعات، من خلال سياسة الرقابة الشديدة ومصادرة الكتب الفكرية والأدبية في معارض كتبها تحت ذرائع شتى، لم تعد مقبولة في عصر تدفق المعلومات وثورة الاتصالات، بينما هي بالمقابل تسمح بعرض العشرات من الكتب، التي تعد مصدرا مباشرا أو غير مباشر للفكر المتطرف، إضافة إلى كتب السحر والشعوذة وثقافة الاستهلاك.

إن خطورة هذا التحول تتمثل في أنه يحدث في بلدان عرفت في ما مضى بالانفتاح والحرية النسبية، ما يعبر عن صعود القوى المتزمتة، وهيمنتها على مؤسسات العمل الثقافي والإعلام، في حين تجري محاولات قوية لكسر حالة الانغلاق الثقافي والانفتاح على العالم، الأمر الذي يستدعي مراجعة موضوعية للسياسات الثقافية الماضية، للوصول إلى الأساليب الأنجع في ترسيخ وتعميق دورها مجتمعيا، وهو ما يحتاج إلى التكامل في هذه السياسات على مستوى القاعدة والقمة، لخلق البيئة الثقافية والتربوية المناسبة والمستدامة، سواء عبر تعزيز وتوسيع دور المجتمع المدني، أو النخب الثقافية المعنية بتحقيق هذا التحول الثقافي المنشود.

إن ثقافة التجديد والحداثة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن الحامل الاجتماعي، الذي ينتج ثقافته ويعمل على ترسيخها، في ظل شروط سياسية واجتماعية وتربوية أصبحت معروفة.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر