الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

تونس.. درس من ألمانيا

الظروف التي أنتجت المرزوقي رئيسا وتعبيرا عن الأزمة السياسية التونسية، تتشابه مع السياقات التي جاءت بياسين العياري نائبا وتعبيرا جديدا عن الأزمة المتواصلة.

العرب عبدالجليل معالي [نُشر في 2017/12/21، العدد: 10849، ص(9)]

قد تبدو الانتخابات التشريعية التونسية الجزئية لدائرة ألمانيا، التي انتظمت بين 15 و17 ديسمبر الجاري، وما أسفرت عنه من نتائج حدثا غير ذي أهمية، بالنظر لكون تلك الانتخابات جرت لتعويض نائب حزب نداء تونس، حاتم الفرجاني، الذي تم تعيينه كاتب دولة لدى وزير الشؤون الخارجية، إلا أن السياقات التي أحاطت بالعملية وفرضتها، والسجال السياسي الذي غمرها، كما نسبة المشاركة الضئيلة من قبل التونسيين المقيمين في ألمانيا، فضلا عن الاسم الذي أفرجت عنه النتائج، كلها ملامح تتضافر لتقدم درسا بليغا يلخص العملية السياسية في تونس.

قبل الخوض في معاني النتائج التي باحت بها الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا ودلالاتها السياسية، قد يبدو ضروريا التذكير بأن تعيين حاتم الفرجاني كاتب دولة لدى وزير الشؤون الخارجية مكلف بالدبلوماسية الاقتصادية، الذي تم في سياق التحوير الوزاري الذي أعلنه رئيس الحكومة يوسف الشاهد في بداية سبتمبر الماضي، أنتج شغورا في مقعده النيابي ممثلا عن حزب نداء تونس. في تلك السياقات أثير سؤال كبير عن جدوى التسمية، كما عن ضرورة وأولوية استحداث ذلك المنصب (كتابة دولة معنية بالدبلوماسية الاقتصادية صلب الخارجية التونسية)، لكن سؤال الجدوى سرعان ما ضاع في زحام الأخبار الرائجة عن اعتزام حزب نداء تونس ترشيح حافظ قائد السبسي للانتخابات التشريعية الجزئية، التي فرضتها التسمية والشغور.

سؤال الجدوى تحول إلى أسئلة متصلة بخلفيات ترشيح نجل الرئيس إلى ذلك المنصب وهو المقيم في تونس ولا صلة له بألمانيا. أسئلة سمحت بالعديد من التأويلات القائلة بأن نداء تونس تعمد إفراغ مقعد ألمانيا (بتعيين النائب كاتب دولة) وتقصّد ذلك ليمهد لحافظ قائد السبسي إمكانية الترشح للوصول إلى مجلس النواب ومن ثم رئيسا لكتلة نداء تونس، وبعدها رئيسا لمجلس النواب خلفا للرئيس الحالي محمد الناصر، الذي تقول مصادر كثيرة إنه مريض.

تفاعلت القوى السياسية والمدنية والحقوقية، ووسائل التواصل الاجتماعي مع الحدث، وانهالت المواقف الرافضة للعملية من منطلقات كثيرة، وهذا بصرف النظر عن حقيقة وجود تلك “الخطة” من عدمها. المهم أن البرنامج المشار إليه لم يحصل، لكنه لم يحُلْ دون إجراء انتخابات جزئية لتعويض المقعد المشار إليه.

المثير في المسألة وقبل التفاعل مع ما أسفرت عنه العملية الانتخابية، هو نسبة المشاركة الهزيلة

في هذا المستوى تراجع الاهتمام بالجوانب الإجرائية والقانونية والتقنية المتصلة بتنظيم عملية انتخابية، ليحضر السجال السياسي بكل تعبيراته: تعبير حركة النهضة عن اعتزامها عدم ترشيح ممثل لها ومساندة مرشح نداء تونس. إصرار العديد من القوى السياسية والشبابية على المضي في الترشح حتى بعد تبدّد أو تبخر “الخطة الندائية” التي قيل إنها كانت تروّج بقوة وأحبطتها الحملات الرافضة (حملة ولدك في دارك في مواقع التواصل الاجتماعي عاودت الاشتغال على هذه القضية).

وخاضت غمار الحملة الانتخابية في ألمانيا حوالي 10 قائمات حزبية و15 قائمة مستقلة، وقائمة ائتلافية واحدة، للظفر بمقعد وحيد في مجلس نواب الشعب وحيد يمثل 90 ألف تونسي موزعين على الأقاليم الـ16 في ألمانيا.

المثير في المسألة وقبل التفاعل مع ما أسفرت عنه العملية الانتخابية، هو نسبة المشاركة الهزيلة، والتي لم تتجاوز 5 بالمئة من الناخبين التونسيين في ألمانيا. نسبة مشاركة عبّرت عن مخاوف كبيرة قبل أشهر من الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في 6 مايو من العام المقبل، وكان ذلك الدرس الأول الذي يفرض على الطبقة السياسية، كما على المجتمع المدني، المزيد من العمل لضمان مشاركة واسعة تضفي على العملية الانتخابية أكثر ما يمكن من الشرعية والمصداقية.

الدرس الثاني نبع من حقيقة وأثر التحالفات السياسية الراهنة والمقبلة. إذ بدا وأن عدم ترشيح حركة النهضة لمرشح لها في دائرة ألمانيا، وإعلانها دعم مرشح نداء تونس، لم يفض إلى فوز يسير لمرشح النداء مثلما كان يروّج ومثلما كان منتظرا بالحسابات الرياضية التي لم تقم وزنا لمفردات التصويت العقابي ولأثر العزوف عن المشاركة أو للمسافة الفاصلة بين المعلن السياسي والمضمر الأيديولوجي.

فاز ياسين العياري، المرشح المستقل والمعروف بقربه من حراك تونس الإرادة (حزب الرئيس السابق المنصف المرزوقي كما بقربه القديم لحركة النهضة وللعديد من التيارات الإسلامية، ومر فوزه من الثغرة التي تركها إعلان النهضة دعم مرشح النهضة وما أنتجته من غضب قواعدها، كما تسرب من تشتت الأصوات الندائية التي ترتبت عن انفراد القيادي محسن مرزوق (رئيس حزب مشروع تونس) بأصواته والنأي بها عن سلة نداء تونس.

الدلالات الأيديولوجية لفوز المدوّن ياسين العياري، بمقعد في مجلس نواب الشعب عن دائرة ألمانيا، كامنة في ما عُرف عنه من ميل وقرب للتيارات اليمينية والدينية، فضلا عن تواتر تصريحاته الرافضة للعملية السياسية المترتبة عن الحوار الوطني التي أجبرت النهضة على التخلي عن السلطة في صيف العام 2013.

الدرس الخطير المستفاد من الانتخابات الجزئية في ألمانيا، ورغم أن العملية جرت بطريقة ديمقراطية لا تتيح تشكيكا ولا تحتاج إلى قدح، فإن عدد الأصوات الذي جعل ياسين العياري نائبا، على ضآلته (284 صوتا) يذكر بالنسبة التي صعدت الرئيس السابق المنصف المرزوقي إلى المجلس الوطني التأسيسي ثم إلى رئاسة الجمهورية (حوالي 7 آلاف صوت)، ولعل الظروف التي أنتجت المرزوقي رئيسا وتعبيرا عن الأزمة السياسية التونسية، تتشابه مع السياقات التي جاءت بياسين العياري نائبا وتعبيرا جديدا عن الأزمة المتواصلة.

من ناحية ثانية، فإن فوز ياسين العياري “عرى” التوافق المغشوش بين نداء تونس والنهضة، من حيث عجز هذا التوافق عن إفراز فائز مشترك على الرغم من القواعد العريضة للحزبين. أما الدرس الأكبر فهو أن الأحزاب التونسية، على بكرة أبيها، كما المجتمع المدني مطالبة اليوم بإجراء مراجعة جذرية وعميقة للأداء السياسي ولمستقبل التحالفات، لأن الديمقراطية الخالية من العمق والفاقدة للصلة مع هموم وانشغالات الناس لا يمكنها أن تفرز واقعا سياسيا سويا وإن احتفلت دوريا بانتخابات أو بفعاليات شبيهة. في غياب الواقع الديمقراطي يمكن للانتخابات أن تصعد شتى صنوف الظواهر والنتوءات السياسية. الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا كشفت أن العملية السياسية تسير على غير هدى، أو أنها حادت عن مدارها الحقيقي، وهو وضع يشترك في صنعه كل الفاعلين، ولو بتفاوت المسؤوليات.

كاتب تونسي

عبدالجليل معالي

:: مقالات أخرى لـ عبدالجليل معالي

:: اختيارات المحرر