الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

واسوا الأغنياء

كنت أخص الفقراء بالشفقة والعطف، لكن زيارة طارئة لضيوف من أغنياء مصر جاؤوا إلى إنكلترا للتسوق أقنعتني بأن الأغنياء هم الأولى بالعطف.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/12/26، العدد: 10852، ص(24)]

البر والشفقة عواطف نبيلة. كنت ممن لا يقبلون شفقة من أحد. كان شعارنا بيت للسياب في قصيدته غريب على الخليج يقول: الموت أهون من خطيّة/ من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية.

و”خطية” هنا كلمة عراقية تستخدم تعبيرا عن الإشفاق مثل “حرام” في الشام. لكني صرت أعقل وأدرك أن الشفقة لا تستحق الاحتقار والاستصغار بل هي هدية نبيلة من قلب رقيق.

كنت أخص الفقراء بالشفقة والعطف، لكن زيارة طارئة لضيوف من أغنياء مصر جاؤوا إلى إنكلترا للتسوق أقنعتني بأن الأغنياء هم الأولى بالعطف. لم يكن منطقهم في الدعوة إلى العطف على الأغنياء من ابتكارهم. تأكد لي أن منطقهم سائد في صفوف الأغنياء وخصوصا بعد تعويم الجنيه.

الفكرة تقوم على أساس أن الأغنياء هم الذين يعانون من ارتفاع الأسعار أكثر من المحرومين. المحرومون ما عندهم فلوس وبالتالي لا ينفقون ولا يهتمون لصعود الأسعار وتدني سعر صرف الجنيه. الفقراء من حي أبو أتاتة أو منطقة سفط اللبن (في بولاق الدكرور) لا يأتون إلى إنكلترا للتسوق الشتوي في موسم الكريسماس.

من لا يتسوق من محلات هارودز، أو حتى جون لويس، في لندن لا يدري أن سعر صرف الجنيه المصري تراجع من عشرة جنيهات مصرية للإسترليني إلى خمسة وعشرين جنيها مصريا للإسترليني.

فقراء القاهرة منعمون لسببين: الأول أنهم بلغ بهم السفه وقلة الاكتراث أنهم لا يأبهون للكريسماس، والثاني أنهم يشترون من ميدان العتبة ولا يعرفون شارع أوكسفورد أو نايتسبريدج.

أغنياء مصر لا يكتفون بهذا القدر من الهجوم المضاد على الفقراء بل ويذهبون إلى كافة أوجه الحياة ويكشفون لك أن ارتفاع أسعار المحروقات لا يمس المجرمين الفقراء. الغلابة وقحون بحيث لا يملكون سيارات. نعم، يبلغ بهم اللؤم حد عدم شراء سيارات خاصة وإلقاء تبعة أسعار المحروقات على الأغنياء.

وأكد لي ضيوفي الأعزاء أن فقراء مصر قد تمكنت منهم النذالة وغلب على طبعهم الشر حد أنهم لا يبعثون أولادهم إلى مدارس لغات أو مدارس خاصة أخرى. الشر يدلهم على مدارس الحكومة وسوء النية تدعوهم إلى استخدام المواصلات العامة أو المشي.

أفلح ضيوفي في إقناعي بأن فقراء مصر يظلمون الأغنياء، وأنا سهل الإقناع. المهم، اقتنعت وتحمست وآليت على نفسي أن أنشر بين الناس هذا الفكر، وأضم صوتي إلى الدعوة إلى كشف نذالة الفقراء والتنويه بمعاناة الأغنياء. أرجو أن أكون قد وفقت في مسعاي.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر