الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الدين.. من التحرير إلى التدمير

الأديان انطلقت من نبل مبادئ تحرير الإنسان، وانتهت على يد طبقات اقتصادية وعسكرية إلى استعباده.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/12/27، العدد: 10853، ص(13)]

موضع واحد في العالم يثبت قدرة الأديان، أو معتنقيها أيا كانت درجة التزامهم بتعاليمها، على التحرير والتدمير باسم الله. في القدس لا يهم ترتيب كلمتيْ "التحرير والتدمير"، فالذين يسعون إلى التدمير ويواصلونه في تحد للأخلاق ولضمير العالم يزعمون استعادة ماضيهم، وتحرير تاريخهم من عهود استعباد، ويرون الله ناصرهم في السطو على حقوق أصحاب الأرض الذين يحصدون الخذلان، فيجدون في الدين طاقة روحية تمدهم بالقوة الكافية لتحرير حاضرهم، وإذا لم يدركوا يوم النصر فقد أرضوا أنفسهم بالصعود إلى منازل الشهداء في الآخرة.

ماذا لو استيقظ البشر يوما على يقين "إن هي إلا حياتنا الدنيا"؟ أقول " لو" وهو حرف امتناع، استحالة؛ لأن هذا الاعتقاد المستبعد "لو" حدث فلن يبقى في الأرض حجر على حجر، وستعم العالم فوضى لا تبالي بقانون أو ضمير، ولن يجدي معها تلويح بنار الله الموقدة، ولا وعد بجنة عرضها السماوات والأرض؛ فالقانطون من العدل في الدنيا لا يرجون إلا الجنة يوم الحساب، وإذا "يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور" فلن تكفيهم إلا حروب عالمية، تخمد حين تنتفي وسائل اشتعالها، لكي تستعد لجولة تالية.

في كل العصور علق المستضعفون آمالهم على الدين، راهنوا عليه مع أصحاب الضمائر الحية من غير الضعفاء، اعتنقوه فصار معلقا بأعناقهم يحمونه ويحتمون به، قوة وحيدة قادرة على تحدي الطبقات القاهرة.

ولم يكن الأنبياء إلا ثائرين عظاما يجدون في الطبقات الدنيا من العبيد والفقراء أنصارا يعينونهم على ما بعثوا من أجله، وبهم سيقتدي قادة الثورات الكبرى في مخاطبة هذا العقل الجمعي، واستمالة المظلومين، وبعض هؤلاء الأنبياء والثوار النبلاء لن يشهدوا مصائر الثورات الظافرة، بعد أن تتحنط الأفكار في أنظمة حكم ترفض الثورة على الثورة، ويتحول الملهمون إلى حكام، ويستريح الحالمون بالعدل في مقاعدهم فيعيدون إنتاج دكتاتوريات وبيروقراطيات لا ترفض التحالف، باسم الواقعية، مع من ثاروا عليهم في أزمنة البراءة.

في حاجة إلى وقفة مع الذات ومع الآخر

الأديان في جوهرها ثورات كبرى تنسف البنى الاجتماعية والطبقية الاستغلالية القائمة، بالترغيب أولا فتذكّر الأغنياء والفقراء بأن أباهم واحد، "كلكم لآدم"، وترفع رايات الحرية والمساواة والإخاء، وتعد المستضعفين بالتمكين، فيقاتلون ويُقتلون من أجل إقامة مجتمع أكثر عدلا ورحمة وأمنا، ثم تقوى الشوكة فيبدأ الترهيب، وتختفي الطبقة الحاكمة، وتصعد أخرى محمولة على شرعية الثـورة، وتفـرز ولاة الأمصار وقـادة الجيـوش، وتحتاج إلى تواطؤ رجـال الـدين، حـراس نـص إلهـي لا يتبـدل، ولكـن تأويـلاته البشرية تمنح الثـائرين السـابقين شـرعية الحفـاظ على الاستقرار، والاطمئنان إلى الجمود، وعقاب من يحث على التغييـر والثورة الـدائمة، ولا أشد كراهية للثورة من رجال الدين، وبأسهم أشـد على المتمـرد منهـم، الـراغب في الإصـلاح الديني، فيواجهـونه بسلاح المـروق، وهي تهمة لاحقـت الأنبيـاء أنفسهم بإيعـاز من طبقة الحكام، لكي يبدو الأمر خلافا دينيا.

الأديان خالصة من تأويلات البشر ليست عبئا على معتنقيها، ولا سلاحا مشرعا يهدد غير المؤمنين بها، هذان من ثمار عمل كهنة سيعانون البطالة لو أخلي بين الناس ودينهم، وقد عجب النبي من قريش، وتساءل "ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب؟".

ولكن المشهد العالمي الحالي، مع صعود حركات يمينية تنتمي إلى الأديان الإبراهيمية وغيرها، يسهل تلخيصه بغير إخلال في ثلاث كلمات هي "آفة عالمنا الأديان"، إذا جاز التناص مع جملة نجيب محفوظ.

أكتب هذه السطور تحت وقع صيحات فقراء مغرر بهم صاحوا "بالطول بالعرض هنجيب الكنيسة الأرض"، عقب صلاة الجمعة (22 سبتمبر2017) في قرية بالجيزة، جنـوبي العاصمة. توجهوا إلى بيت يذكر فيه اسم الله لتدميره، بعـد أن علموا باعتـزام الكنيسة تركيب جرس. في مناخ طائفي ملغوم يغذيه النفاق الديني، سيؤذي جرس كنيسة مشاعر مسلمين يغلقون الشوارع المحيطة بالمساجد والزوايا في صلاة الجمعة، ولا يكتفون لكل مسجد وزاوية أسفل بناية بميكروفون واحـد، لإذاعـة إقامة الصلاة، والصلوات الجهرية، والخطب من دون مناسبة، وقرآن الفجر والابتهـالات حتى الأذان، في انتهاك لإنسانية مواطنين لا يعترضون على اعتقال أبنائهم ظلما، ولا ينتحرون لجرح مشاعرهم بالعجز عن شراء الدواء وتدبير ثمن الطعام الآدمي وفواتير الكهرباء. ولكن جرس الكنيسة مس كبرياءهم الدينية، ففرحوا بالنصر على مواطنين مسالمين، وهتفوا "الله أكبر".

دين يدعو إلى الرحمة، وقرآن يقول "لا نفرق بين أحد من رسله"، ويقول أيضا "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" ولا ينص على إزالـة معابدهم أو السخرية من عقائدهم، فكيف يخلي الكهنة بين المسلمين ودينهم؟ لو خرج الكهنة من هذه المساحة البينية فلن ينشغل المسلمون عن جوهر الدين بتجريم الإلحاد، وفقه الردة، وقتل تارك الصلاة كسلا أو إنكارا بعد استتابته، وتحريم إلقاء السلام على الزوجة المسيحية، وسوف يستبدلون حقوق المواطنة (الحرية والمساواة والإخاء) بالجزية والغزو والغنائم وتوزيع السبايا بأنصبة تراعي التراتب الوظيفي لقادة الجيش.

انطلقت الأديان من نبل مبادئ تحرير الإنسان، وانتهت على يد طبقات اقتصادية وعسكرية إلى استعباده، وشملت صنوف هذا الاستعباد أيضا مؤمنين بالدين نفسه من ضحايا الفتن والحروب الأهلية والقمع لثورات الأمصار.

وقد اتخذ الدين غطاء أخلاقيا لواحد من أطول الصراعات عمرا وهو الحروب الصليبية. وتحت رايته أفني الملايين من السكان الأصليين في قارتين ستحملان اسم أميركا، وسيحمل سكانها المسالمون اسم "الهنود الحمر"، ولم يكونوا هنودا أو حمرا. كما قتل مئات الآلاف في مطاردة واصطياد الملايين من الأفارقة قبل شحنهم إلى الأرض الجديدة.

أفسدت السلطة روح الأديان، فلم يبق من اليهودية إلا القبضة الصهيونية. أما تجربة دولة المدينة الراشدة فدامت اثني عشر عاما، وبقتل عمر بن الخطاب، نهضت دولة قريش العميقة في الظل، ثم صارت ملكا صريحا بصعود معاوية، ولم يتورع ابنه في قتل أحفاد صاحب الرسالة، في إشارة مبكرة إلى أن الله لا ينصر أحدا، وهذه الحقيقة تستحق وقفة مستفيضة، ولا تليق بها سطور أخيرة في هذا المقال.

كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

:: اختيارات المحرر