الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

دور النشر المهاجرة

إن حاجة صناعة الكتاب إلى أسواق كأي صناعة أخرى، تجعلها غير قادرة على التحرّر من سلطة هذا الرقيب، حيث سيظل الكتاب عاجزا عن اختراق حواجز الرقابة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2018/01/02، العدد: 10857، ص(15)]

الظاهرة الثقافية التي أفرزتها الحرب الأهلية اللبنانية تمثلت في هجرة الناشرين العرب إلى الغرب، بعد أن كانت بيروت هي عاصمة النشر العربي بامتياز.

هذه الظاهرة الجديدة ستكون البداية التي ستمهد الطريق لظهور دور نشر عربية أخرى، مع تزايد هجرة الكتاب والمثقفين العرب، بسبب القمع والاضطهاد والحروب التي تعيشها بلدان عربية عديدة.

إن ظهور هذه الدور في بلدان تتمتع بحيز واسع من الحريات العامة، وفي مقدمها حرية النشر تعد فضاء مثاليا للتخلص من سلطة الرقابة العربية وسياسة المصادرة والمنع التي تمارسها على النشر وحرية انتقال الكتاب العربي.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد مرور عقود على ظهور هذه الدور وازدهارها، هو إلى أي حد استطاعت هذه الدور أن تستفيد من هذا الفضاء في خلق فرص جديدة ومهمة أمام الفكر والثقافة العربية، للتعبير عن قضايا الواقع العربي السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية بحرية أكبر؟

إن حاجة صناعة الكتاب إلى أسواق كأي صناعة أخرى، تجعلها غير قادرة على التحرّر من سلطة هذا الرقيب، حيث سيظل الكتاب عاجزا عن اختراق حواجز الرقابة، وبالتالي لا يكفي الكتاب العربي أن يطبع في بلد تتمتّع فيه صناعة الكتاب بالحرية التامة، طالما أن سوقه الحقيقي يبقى في مكان آخر، مازالت الرقابة فيه تتمتّع بالسطوة التامة على حركة انتقاله ووصوله إلى القارئ العربي.

لذلك فإن هجرة هذه الدور لم تستطع أن تحلّ مشكلة اختراق الكتاب لأسوار الرقابة العربية، الأمر الذي جعل أغلب هذه الدور تتجه مجددا إلى بيروت، هربا من الكلفة المادية الكبيرة التي تتطلبها صناعة الكتاب والنشر في بلدان أوروبا، إضافة إلى قرب بيروت من أسواق الكتاب ومعارضه التي لا تتوقف.

وعلى الرغم من هذا الواقع استطاعت بعض هذه الدور أن تغامر في نشر كتب لم يكن الرقيب العربي يوافق على طباعتها لو نشرت هناك، وقد استفاد أصحاب هذه الدور من هامش الانفتاح الذي يميّز السياسة الثقافية لبعض البلدان، لتأمين وصول هذه المطبوعات إلى القارئ العربي عبر هذه المنافذ السنوية، بينما شهدت أسواق أخرى المزيد من التشدّد في سياسة الرقابة، على الرغم من حالة الانفتاح التي تميّزت بها هذه البلدان سابقا.

لقد ساهم ظهور هذه الدور في تعزيز حركة النشر العربية وتنوعها، إضافة إلى دوره دورها في تطوير صناعة الكتاب، من خلال الخبرة التي اكتسبتها هذه الدور من تقدّم هذه الصناعة في الغرب، لكن الدور الأبرز لها تمثّل في خلق فرص أفضل للنشر أمام الكتّاب والمفكرين العرب.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر