الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

ماض يطارد الصفوة فيتخلصون من الخطأ بجريمة

  • بإمكانات إنتاجية محدودة، وديكور لا يتغيّر، ولكنه ليس فقيرا، استطاع فريق من دارسي الفنون الجميلة بمصر جذب انتباه الجمهور ووضعه في حالة تحفّز طوال العرض المسرحي “تلك الليلة”، عبر مشاهد تستفيد من تقنيات الرواية والسينما في العودة بالزمن.

العرب سعد القرش [نُشر في 2018/01/10، العدد: 10865، ص(16)]

يموت ثلاثة ليعيش أربعة

“الفلاش باك داخل الفلاش باك”، هي سمة العرض المسرحي “تلك الليلة”، إذ لا يبدأ العرض من نقطة محددة ويتابع صعود الدراما بشكلها التقليدي وصولا إلى الذروة، وإنما يبدأ من مشهد النهاية بمونولوغ قصير لعجوز سليل عائلة ثرية يتذكر حدثا كان شاهدا عليه وشريكا فيه، ويستدعي أيضا شركاءه، وهم أربعة أصدقاء من أصول اجتماعية متواضعة، وقد صاروا من الصفوة الذين يحظون بالنفوذ والشهرة، يأتون ويذهبون ويتركونه يعاني الوحدة ومرارة التذكّر، فيتمدّد على فراشه يستعجل ملك الموت.

ماض مرعب

عرض “تلك الليلة” الذي كتبه وأخرجه محمد عبدالخالق لا يرد فيه مصطلح الصراع الطبقي على ألسنة أي من أبطال المسرحية، ولكن هذا الصراع جوهر الأحداث ومحرّكها، والباعث على تواطؤ أربعة أصدقاء تجاوزوا طبقاتهم الفقيرة، ودفعهم الطموح إلى بلوغ ذرى السلم الاجتماعي، ولا يزال ماضيهم يؤرقهم، فلا تمنحهم شهرتهم وثراؤهم ومناصبهم الرفيعة البعض من الحكمة لعلاج خطأ شاركوا فيه، ويعودون وحوشا فاقدة للرشد، ترفض التكفير عن خطيئة الماضي، بالاشتراك في جريمة قتل.

وهنا تكون الضحية من الطبقة الدنيا نفسها التي جاء منها الوجهاء، في إرباك عصري لقول كارل ماركس “إن تاريخ أي مجتمع هو تاريخ الصراع بين طبقاته”، فالصراع هنا بين أبناء الطبقة نفسها وتحالفهم على ممثلي طبقة أدنى لا يريدون الانحدار إليها.

لم يتغيّر مسرح الأحداث في الأزمنة الثلاثة: حين يقابل الثري أشرف رفاقه الأربعة، وحين يرجع بهم الزمن عشرين عاما فيتذكرون نشوة “تلك الليلة”، وحين يستلقي أشرف في شيخوخته ينتظر الموت. هو نفسه “الشاليه” المطل على البحر بمدينة الإسكندرية، وقد انتظرهم أشرف (قام بالدور أشرف سرحان)، ليضعهم في مواجهة مع ماض ظنوا أنهم غادروه، ولكنه ينهض الآن يطاردهم، ويهدّد ما ارتقوا إليه من مكانة ليسوا مستعدين للتخلي عنها، ولا يرضون بالتنازل عن صورة رسمها كل منهم لنفسه أمام أسرته وطبقته الاجتماعية الجديدة.

العرض يضع المشاهد أمام مرآة تقرب إليه ملامح روحه، ليرى قبح التناقض بين كلامه وسلوكه

أما أشرف فهو الوحيد الذي لم يتزوّج، ولا يعاني عقدا نفسية تلازم الصاعدين اجتماعيا ممّن يتخفون خلف أقنعة صلبة تداري الهشاشة، ولا تصمد أمام الحقيقة. تباعا يصل الأصدقاء الأربعة فرادى، أولهم الشيخ نجم الفضائيات الدينية “سعيد مصطفى”، ويليه القاضي “شريف أبوهميلة”، ثم ضابط الشرطة “محمد نديم”، والمطرب “إبراهيم غريب”.

يستدعون أيام الفقر بشيء من السخرية وسعادة النجاة منها، ولا يمارس عليهم أشرف أي نوع من الاستعلاء، ولا يمتنّ عليهم بمعروف، وكان بيت أسرته مفتوحا لهم، كما توسّط أبوه من قبل لطالب الحقوق الفقير حتى التحق بالنيابة العامة وأصبح قاضيا.

وبعد الحكايات يتساءلون عن سر استدعائهم إلى الشاليه البعيد وليس في أي مكان آخر، ويذكّرهم أشرف أنه المكان الذي جمعهم في “تلك الليلة”، وقد أدارت الخمر رؤوسهم، وتناوبوا افتراع الخادمة (قامت بالدور هايدي عبدالخالق).

أبدوا تبرّمهم من تذكيرهم بالواقعة، وأصابهم الفزع من وجود ابنة لا بد أن أحدهم أبوها، وقبل أن يخرجوا غاضبين فاجأهم وصول الخادمة التي أمست هي الأخرى نجمة مشهورة، راقصة تريد معرفة من يكون أبا للبنت المريضة، لم تطلب مالا، ولكن البنت تحتاج إلى فص من الكبد يجب أن يكون أبوها مصدره، بعد أن تأكّد للأطباء عدم صلاحية نقل هذا الفص من كبد الأم.

الحل في اللا حل

في الاستقرار الاجتماعي الكاذب، وأمام الخوف من مواجهة الحقيقة، يطالبون أشرف بالاعتراف بأبوّته للبنت؛ بحجة خلو العائلات الأرستقراطية من العقد الاجتماعية والضوابط الأخلاقية، ولن يزيد الأمر على انضمام عضوة جديدة إلى العائلة ولن تبالي “الأخلاق الفرنساوي” بهذه التفاصيل، فيذكّرهم بأنهم منافقون، لا يجيدون إلاّ رفع راية الفضيلة والدعوة إلى الأخلاق، ويفاجئهم بأنه أجرى تحليل “دي إن ايه” وأثبت الاختبار أنه ليس أباها ولا يصلح للتبرّع لها، فيتّهمونه بالاتفاق مع المرأة على تدبير هذا الفخ لتدمير حياتهم، وهي تهدّدهم بأنها لا تخاف شيئا، ويسهل عليها أن تنشر تفاصيل هذا الماضي، ولا تنقصها الشجاعة؛ فعرضها مباح، ولكنها تريد علاج البنت، فيقترح عليها أحدهم أن تعالجها في الصين، ويستدعي الشيخ حديثا يحثّ على طلب العلم ولو في الصين.

كم ضريبة وجب دفعها للوصول إلى الطبقة الجديدة الراقية، وكم جريمة يجب أن ترتكب للإبقاء على زيف هذا الانتماء الطبقي

تمنحهم الأم مهلة للتفكير والردّ عليها، وتهمّ بالخروج، فتستيقظ شكوك ضابط الشرطة ويفتّش حقيبتها ويكتشف أنها سجّلت في هاتفها المحمول ما دار بينهم من نقاش يؤكّد اشتراكهم في الخطأ القديم. ويستهين القاضي بالتسجيل؛ فهو غير قانوني، أما الضابط فلا تعنيه قانونية التسجيل ويخشى أن ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتنهار عائلاتهم ويفقدون وظائفهم ومكانتهم.

وكما انقضّوا عليها قبل عشرين عاما في ساعة نشوة، لا يتردّدون في الانقضاض عليها، ويتجاهلون استغاثة صاحب البيت أن يرحموها، ولا يتركونها إلاّ بعد أن تلفظ أنفاسها، ويرتجفون من رنين هاتف الأم؛ كانت البنت تتّصل، فيدعوهم أشرف وهو يبكي إلى قتل البنت أيضا، فتموت اثنتان لكي يعيش أربعة، وقبل أن يفكرّوا في إيجاد مخرج، يدخل سائق تاكسي كان قد أوصل الشيخ (قام بالدور سيد عبدالخالق)، ويرى جثة المرأة، فيمنعونه من الخروج، وينتحب صاحب البيت، ويصرخ “اقتلوه هو الآخر”، فيموت ثلاثة، ليعيش أربعة، ويسود الظلام الذي ينتهي بأشرف شيخا قعيدا يتمنى الموت.

عرض “تلك الليلة” الذي يقدم حاليا على مسرح “مركز الهناجر للفنون” بدار الأوبرا بالقاهرة إبداعي جماعي لفريق “أتيليه المسرح”، لا يسعى إلى إدانة أحد، ولا يميل إلى الخطابية وإطلاق الشعارات الأيديولوجية الزاعقة، بل يضع المشاهد أمام مرآة تقرب إليه ملامح روحه، ليرى قبح التناقض بين كلامه وسلوكه، وأين كان؟ وإلى أي مدى وصل؟ وكم ضريبة دفعها للوصول إلى طبقته الجديدة؟ وكم جريمة يجب أن ترتكب للإبقاء على زيف هذا الانتماء الطبقي؟

:: اقرأ أيضاً

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر