الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

في مسألة الكنائس.. خاطبوا حسن البنا لا السيسي

  • دولة المواطنة التي يستوي فيها كل المواطنين أمام القانون، هي الترياق الوحيد أمام شيوع التطرف، لأنها أولا دولة بما تعنيه من شكل تنظم حديث يعلو على الانتماءات التقليدية، وثانيا لأنها محكومة بقانون يعترف بكل الأديان والمذاهب ويترك للناس حرية الإيمان الشخصي. وفي صورة التعامل مع الأديان والأقليات بمنطق “حمايتها” لأنها تمثل أقليات، فإن ذلك يخلق تمييزا دينيا وطائفيا مستترا سيضفي على كل اعتداء متطرف نوعا من الشرعية طالما أن المعتدي يتصوّر أنه يذود عن ديار الإسلام ضدّ أهل الذمة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2018/01/15، العدد: 10870، ص(13)]

مواطنون لا أهل ذمة

من أغرب ما بدأ به العام الجديد رسالة وزارة الإسكان بمصر، في 7 يناير 2018 يوم عيد الميلاد، إلى ممثل الأقباط الأرثوذكس في كيان اسمه “لجنة توفيق أوضاع الكنائس”، تفيد بأن الوزارة في ضوء قانون بناء الكنائس الصادر عام 2016، خاطبت 14 محافظة بعدم وقف الشعائر بالكنائس التي قدّمت أوراقها إلى لجنة تقنين الكنائس غير المرخصة.

ماذا تعني هذه “المخاطبة”؟ لا أقل من ترهل العقل السياسي، والميوعة في إدارة شؤون “الدولة”، والتمييز الطائفي غير الصريح، وانتظار كوارث في محافظات أخرى حين يفرغ المتدينون من صلاة الجمعة وينقضّون على بيت مسيحي بحجة إقامته الصلاة من دون ترخيص، فتخاطب الوزارة تلك المحافظة بتوفيق وضع الكنيسة، والسماح للمسالمين بالصلاة.

ولا تحتاج المساجد إلى مخاطبات مشابهة من الوزارة إلى المحافظات، وتكفي هذه الازدواجية عنوانا للتمييز الديني، والنفاق السياسي والاجتماعي، في بلد تقتطع من مجاله العمومي مساحات بالقوة، في كل طابق بالمؤسسات الحكومية ومحطات المترو والميادين، لإقامة مساجد تحاط بأسوار خشبية، كما تغلق أرصفة وشوارع في صلاة الجمعة، من دون أن ترفع راية التصريح بأداء الصلاة. فتنة مزمنة، وستظل قابلة للانفجار ما تراجع القانون وأفلت المعتدون على الكنائس وبيوت المسيحيين من العقاب.

هي فتنة ولو حملت اسما آخر، ويطول عمرها بغياب الإرادة السياسية، ولا يعوّض هذا الغياب حضور أكبر رأس في “الدولة” احتفالات عيد الميلاد بالكاتدرائية، في أجواء طقسية إعلامية تسكينية تدّعي “الحنوّ” على “أقلية”، ويعدهم الرئيس عبدالفتاح السيسي بالحماية، ويخاطبهم: “أنتم”، كأنهم رعايا وليسوا مواطنين.

أنظر حولي فأجد دماء أكثر من مسيحي تراق بتهمة بيعه للخمر، ولا تمنع القتل عصا السيسي، لأن "تعاليم" البنا أكثر نفاذا

أتأمل خطاب السيسي إلى الشعب، في الكثير من المناسبات، فأكتشف أنه لا يقول “أيها الشعب”، أو “أيها المواطنون”، وإنما يردد “يا مصريين”، ولم ينبهه أحد في الدوائر القريبة إلى أن هذا النداء يخرج قائله من دائرة الشعب إلى منصة الغزاة، وكأن لنابليون بونابرت نداء قريب يستميل به “المصريين”، ويصنع لنفسه شرعية بالتحريض على المماليك والتذكير بمساوئ حكمهم.

وقد كتبت أكثر من مرة أن الراصد لخطابات السيسي سيظنه واليا على إمارة إسلامية، أميرا على مقاطعة تتبع دولة الخلافة، وليس رئيس أقدم دولة في التاريخ، بإلحاحه على حماية الله للبلاد من “أهل الشر”، واستبعاده التفكير العلمي، والخلط بين الدعوة والدولة، والضمير والقانون، ربما في تماه مع “أهل الشر” الذين يملكون هذا اليقين أيضا.

لهذا السبب أفضّل التوجه إلى حسن البنا مباشرة، لا إلى السيسي المتشبع بهذا الخطاب. وكنت مثله أومن بتصور إخواني سلفي للإسلام وللعالم، وحرصت في الصبا على قراءة مجلة “الدعوة” لسان حال الإخوان، ومنحتني زهوا بديني في انشغالها بما يجوز وما لا يجوز لأهل “الذمة” في “دار الإسلام”، ورسخت في نفسي تحريم بناء كنائس جديدة، وعدم جواز ترميم ما يتعرض منها للتصدع لكي تشفى بانهياره صدور قوم مؤمنين، وكان باب بريد القراء يرصد صفحة الوفيات في صحيفة الأهرام؛ لحصر عدد أفراد أسرة متوفى مسيحي، ومقارنة ذلك الإسراف في الإنجاب لدى المسيحيين بالدعوات “المشبوهة” إلى تحديد نسل المسلمين.

في ذلك الوقت تمّ حشو عقولنا بأعداء لا يشغلهم إلا الإعداد للحرب علينا، وكنا نسمي محمد الغزالي “الإمام” و”الداعية”، ولم نكن نبالغ في وصف شيخ يحمل أحد كتبه عنوان “هموم داعية”، وظل للغزالي في قلبي مكان حتى اغتيال فرج فودة عام 1992، وقد حرصتُ على لقائه في بيته، وأنا طالب بجامعة القاهرة، بعد أن قرأت في المدرسة الثانوية معظم كتبه، ومنها “هموم داعية” الذي وصلني بتوصية عقب صدوره عام 1983، ولا مجال فيه لمفاهيم الوطن والمواطنة والحكومة الممثلة للشعب.

تصادف الاعتداء على عدة كنائس قبيل عيد الميلاد، 7 يناير 2018، مع ترتيبي للمكتبة، وعثوري على كتيبات تضيع دائما في زحام الكتب والمجلدات، فأحجامها الصغيرة ترشحها للاختفاء في الفراغات.

دولة حسن البنا كما كتب في رسالة التعاليم الموجهة إلى التنظيم السري المسلح طائفية لا تتسع لغير المسلمين

عثرت على “رسالة المؤتمر السادس” لحسن البنا، في يناير 1941، وهي رسالة تعبئة نفسية تمد الإخوان بطاقة من العزاء، فهم “الغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس… والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد، ولكنه يحدوه دائما إلى الكفاح والجهاد… لا دعوة بغير جهاد، ولا جهاد بغير اضطهاد، وعندئذ تدنو ساعة النصر ويحين وقت الفوز”، انطلاقا من دين يصفه بأنه “حكومة وأمة، ومصحف وسيف، وخلافة من الله للمسلمين في أمم الأرض أجمعين”.

دولة حسن البنا كما كتب في رسالة التعاليم الموجهة إلى التنظيم السري المسلح طائفية، لا تتسع لغير المسلمين، وإذا عاش فيها مواطنون من أهل الكتاب، فتحكمهم سلطة خلافة المسلم وولايته عليهم، “والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدّين لفرائض الإسلام غير متجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه، ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة”.

وترتبط الثروة بالدين لا الوطن، فتشمل تعاليم حسن البنا الإخوانية “أن تخدم الثروة الإسلامية العامة بتشجيع المصنوعات والمنشآت الاقتصادية الإسلامية، وأن تحرص على القرش فلا يقع في يد غير إسلامية مهما كانت الأحوال”. واليد غير الإسلامية هنا هي يد جار مسيحي لن تخطئه الرصاصة وهو يحارب بجوار أخيه المسلم دفاعا عن شيء اسمه الوطن، لا يؤمن به حسن البنا وتابعوه من مرشدي الجماعة، وكان مهدي عاكف متسقا مع نفسه بقوله عام 2009 “يحكمني مسلم ماليزي ولا يحكمني مصري غير مسلم”، في نسف لمبدأ المواطنة يبدأ بالقواعد الشعبية للجماعة المأمورة بمقاطعة أصحاب الحرف والتجارة كأنهم جنود احتلال.

أراجع كتاب “فقد السنة”، وهو دستور إخواني بقناع سلفي، ولا يكاد بيت في مصر يخلو منه، وأتجاوز مقدمته التي كتبها حسن البنا، وقد أشاد فيها بجهد “الأخ الفاضل الأستاذ الشيخ السيد سابق”، وأقرأ في المجلد الثاني عن كفالة الإسلام للحرية الدينية لغير المسلمين، ولا أجدها متحققة في مصر، رغم ثورة 25 يناير 2011، وأعجب لقول المؤلف “أباح لهم الإسلام ما أباحه لهم دينهم من الطعام وغيره، فلا يقتل لهم خنزير، ولا تراقُ لهم خمر”، وأتساءل: وما شأن الإسلام بأن يبيح لهم أو يمنع؟ ألا يستطيع من يمنح أن يجد مسوغا للمنع؟ وأنظر حولي فأجد دماء أكثر من مسيحي تراق بتهمة بيعه للخمر، ولا تمنع القتلَ عصا عبدالفتاح السيسي، لأن “تعاليم” حسن البنا أكثر نفاذا.

:: اقرأ أيضاً

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر