الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

القريب البعيد

الأجنبي كان فاغرا فاه يحاول أن يفهم المقصود وبدا كأن رأسه يعوم حيرة. كان المسكين يحاول أن يجد نظرية أو فلسفة تشرح له فكرة أن القريب بعيد والبعيد قريب، ولم تسعفه جميع معارفه ومطالعاته.

العرب حسين صالح [نُشر في 2018/01/16، العدد: 10871، ص(24)]

منذ سنين جاءنا إلى العراق خبير أوروبي ليعمل معنا ونشأت بيننا علاقة زمالة وثيقة. كان الأجنبي يريد أن يعرف كل شيء عن بلدنا وعنده عطش لا متناه للمعرفة. وبسببه اكتشفنا أننا لا نعرف الكثير عن بلدنا. فضحت أسئلته التي لا تنتهي جهلنا. نجهل أنفسنا ونعرف كل شيء آخر.

معرفتنا وثقافتنا تتيحان لنا الحديث بطلاقة عن هيغل والخوارج، لكنا نعجز عن الإجابة على سؤال بسيط حول معدل درجات الحرارة في يناير ببغداد. وممّا زاد الوضع سوءا أن الخبير الأجنبي لا يريد رأيا في موقف عسكر الشام إبّان الفتنة الكبرى، وإنما يريد أن يعرف كيف نميّز النخلة الفحل من الأنثى. لكننا مثقفون ومعرفتنا بديكارت تفوق معرفتنا بالنخلة التي في حديقتنا الخلفية.

الخبير الأجنبي يريد أسماء الزهور والأشجار ونحن لا نعرف. نقرأ في القصص أسماء لعلها مترجمة لأشجار لا نعرفها. نقرأ عن السرو والسنديان ونحن لا نعرف سوى الصفصاف. إضافة إلى هذا الجهل نمتاز بخاصية عجيبة وهي الانشغال بما هو بعيد عمّا هو قريب.

في المقهى يندلع شجار على الطاولة المجاورة، القريبة، وفيه كل ما يستهوي الإنسان من زعيق وتهديدات لكننا نهمله منشغلين بحديث عن صعود الفاشية في إيطاليا، البعيدة، في ثلاثينات القرن العشرين.

حديث القريب والبعيد ذكرني بالخبير الأجنبي مرة أخرى. كان خبيرنا يحبّ الموسيقى والغناء ويهتمّ بهما. منساقا وراء عطشه المعرفي سأل أحدنا عن موسيقانا وطلب ترجمة أغنية دارجة من أغانينا إلى الإنكليزية. أجابه صديق من الذين يحبون أن يبدو شعبنا أمام الأجانب متقدّما صعب المدارك عميقا، إجابة بأن راح يترجم أغنية ليست عراقية أصلا وتغنيها نجاة الصغيرة. ترجم له “القريب منك بعيد والبعيد عنك قريب”.

الأجنبي كان فاغرا فاه يحاول أن يفهم المقصود وبدا كأن رأسه يعوم حيرة. كان المسكين يحاول أن يجد نظرية أو فلسفة تشرح له فكرة أن القريب بعيد والبعيد قريب، ولم تسعفه جميع معارفه ومطالعاته.

استفسرت من صاحبي عن سبب اختيار “القريب منك بعيد” فأجابني أن الخبير هذا أجنبي أولا ومثقف راق ثانيا وينبغي أن نقول له كلاما عاليا ولا نلوّث مسامعه بأغان من قبيل “عمي يا بياع الورد” أو “طالعة من بيت أبوها رايحة لبيت الجيران”.

بعد كل هذه السنين أتخيّل صاحبنا الخبير جالسا قرب مدفأة في شتاء أوروبي بارد ومظلم يقصّ على أحفاده أغرب ما رآه وسمعه في عمره قائلا “ورأيت بلدا يغنون فيه القريب…”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر