الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الكراهية الدينية دمرت الموصل

المشكلة تكمن في خطاب الكراهية. في البداية كنا نكره الشيعي والفارسي معا. بعدها صرنا نكره الفارسي فقط وخرجنا بنصف الحلول وهو القبول بالشيعي العربي، في النهاية نحن لا نفهم القيم الإنسانية التي لا تقبل التجزئة.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2018/01/19، العدد: 10874، ص(8)]

دفعت كندا لعمر خضر تعويضا قيمته عشرة ملايين دولار مع اعتذار رسمي لأنه يحمل جنسيتها وتعرض للتعذيب بمعتقل غوانتانامو على خلفية اعترافه بقتل جندي أميركي بأفغانستان وكان عمره حينها 15 عاما فقط.

وقال رئيس الوزراء الكندي جستن ترودو ردا على مواطنة كندية معترضة وغاضبة على هذا القرار: من حقك أن تغضبي ولكن هذا درس لنا جميعا ككنديين، وعلينا في المستقبل ألا نسمح بتعذيب مواطن حامل للجنسية الكندية مهما كانت خلفيته. وقال إن الأمر لا علاقة له بسمعة عمر خضر بل له علاقة بسمعة كندا.

في قضية مشابهة، تعرض مهندس الكمبيوتر الذي يحمل الجنسية الكندية ماهر عرار للتعذيب في أحد سجون دمشق في العام 2002 بعد نقله هناك من قبل مسؤولين أميركيين بناء على بلاغ من الكنديين. إلا أن السلطات الكندية أزالت كل الشبهات عن عرار في وقت لاحق وفي يناير 2007 تقدم رئيس الحكومة آنذاك، ستيفن هاربر، باعتذار إلى عرار وتم منحه تعويضا بـ10 ملايين دولار كندي.

إن فهمنا لحقوق الإنسان والديمقراطية بحاجة إلى تثقيف أكبر. نحن في العراق مثلا لسنا أديانا وطوائف كثيرة فقط، بل قوميات كثيرة أيضا؛ آشوري وكردي وتركي وكلداني وفارسي وعربي. كل هؤلاء عراقيون ولا فضل لأحد على أحد.

لوقت قريب كنا نردد كلاما غريبا مثل كلمة منسوبة حول الإيرانيين “ليت بيني وبينهم جبلا من نار”، وبغض النظر عن صدقها وكذبها فإن هذه الكلمة ربما تمثل قلق رجل في الجزيرة العربية لأن عاصمة فارس في ذلك الزمان كانت المدائن قرب بغداد. وفارس كانت تضم العرب والفرس وغيرهم، كما كانت الخلافة العربية الإسلامية تضم العرب والفرس والروم والهند وغيرها من القوميات. العراق منطقة تلاقح ثقافي وليس منطقة صراع وعداوة. راجع الفترة العباسية مثلا.

فإذا قال قائد سياسي في الجزيرة العربية “ليت بيني وبينهم جبلا من نار”، فإن هذا الجبل الناري سيكون على حدود العراق والسعودية لأن فارس في ذلك الزمان كانت في العراق وعاصمتها المدائن.

كيف يتمنى رجل عراقي لو يقوم بينه وبين العراق جبل من نار؟ أكبر دليل على هذا الخلط الثقافي هو صدام حسين الذي أطلق اسم “القادسية الثانية” على حرب العراق وإيران، والقادسية معركة في القرن السابع الميلادي وقعت في العراق أصلا بين الجزيرة العربية وبلاد فارس.

ولأن المشكلة في اللاوعي والتفكير الخاطئ فقد قام صدام حسين بارتكاب جرائم عرقية مثل تسفير نصف مليون عراقي أبا عن جد لا جريمة لهم سوى أن أصولهم القومية فارسية. ومن قال إن العراقي يجب أن يكون عربيا؟ قد يكون كرديا أو فارسيا أو تركيا أو آشوريا. لقد سلبهم النظام السابق بيوتهم وأموالهم وقامت التسفيرات برميهم تحت المطر هم وبناتهم وأطفالهم على حدود إيران.

أفخر وأعتز بحملي للجنسية الكندية إلى جانب اعتزازي بجنسيتي العراقية، فهي تعني بأن أحدا لا يستطيع تعذيبي أو حتى احتجازي دون حق قانوني لأن كندا تمنع ذلـك وتدافع عن جميع الذين يحملون جنسيتها بالتساوي. أعتز بالمساواة والفهم الأخلاقي للقانون. تلك كانت مناسبة لأن نتذكر إسقاط الحقوق وسحب الهوية العراقية من مواطنين عراقيين؛ لا لسبب، فقط لأن قوميتهم فارسية. ساهم هؤلاء العراقيون الكرام ببناء البلاد وعاشوا بخوف لقرون. فهم بالنهاية لا يمتلكون قبيلة كالعرب، وصبروا وتاجروا وبقوا عراقيين مدنيين لا يحميهم إلا القانون وعطف الناس حتى لو لم تكن هناك “قبيلة” تحميهم، وفي النهاية الحكومة العراقية نفسها تصادر أموالهم وتطردهم من بلادهم.

15 عاما كانت كافية جدا لأن نفيق من غيبوبتنا. كانت هناك سلطة بعثية عراقية تعتبر إيران عدوا، كانت زيارة إيران تعني الإعدام، والاتصال بإيران يعني الإعدام، اللقاء بمسؤول إيراني في أي بلد حول العالم عقوبته الإعدام بتهمة التجسس والخيانة وغيرها. ذلك الزمن انتهى.

نحن ومنذ 15 عاما نعيش حكما جديدا. إيران دولة صديقة وربما حليفة للعراق باعتراف رئيس وزراء العراق. هنا حدثت صدمة لعقولنا نحن “سنة العراق” وبدأ العناد وتحدي الواقع. صرنا نخاطب الحكومة الجديدة بلغة سلطة انهارت وتم شنق رئيسها صدام حسين.

العرب شجعوا بأموالهم وخطابهم على هذه الغيبوبة العقلية. لم يقل أحد لسنة العراق هل أنتم نائمون؟ هذا عراق جديد ودولة جديدة فلا تبطشوا بأطفالكم ومستقبلكم. كيف لطائفة أن تحاكم دولة وحكومة على تحالفاتها؟

ثم كيف لطائفة متمردة على الدولة العراقية التدافع مع إيران وهي دولة حجمها بقدر العراق خمس مرات، وعدد سكانها 100 مليون فضلا عن جامعاتها ومراكز دراساتها وعلمائها وتاريخها واقتصادها وفنونها.

العرب وبسبب تدافعهم السياسي مع إيران لم يقولوا لنا كلاما عاقلا، فدولة قطر وقناة الجزيرة خصوصا كانتا تشجعان على استمرار الوهم السني العراقي، قبل أن تنقلب الدوحة وتتحالف مع طهران فيما بعد. نحن كسنة العراق أطفالنا مشردون الآن والمخيمات ملأت الأنبار والموصل ونرى قطر تتغزل بإيران، بينما السعودية تتغزل بشيعة العراق. علينا الاعتماد على أنفسنا وإيجاد حلول لعذاباتنا بعيدا عن الآخرين.

قبل أن نوجه اللوم للآخرين أريد أن أنتهي من تشخيص مشكلة العقل السني العراقي. حين كان الحكم بأيدينا جلبنا طائرات التحالف تقصف العراق كله وتضرب عليه الحصار لسنوات، وحين فقدنا الحكم والسلطة جلبنا طائرات التحالف تقصف مدننا وتحاصر أطفالنا وتشرد بناتنا. لا بد أن هناك خللا ما في عقولنا وطريقة تفكيرنا.

المشكلة تكمن في خطاب الكراهية. في البداية كنا نكره الشيعي والفارسي معا. بعدها صرنا نكره الفارسي فقط وخرجنا بنصف الحلول وهو القبول بالشيعي العربي. في النهاية نحن لا نفهم القيم الإنسانية التي لا تقبل التجزئة، فلا داعي ولا مبرر لكراهية الفارسي أو الأميركي أو الشيعي.

نحن في محنة وعلينا أن نجد سببا آخر للوجود غير كراهية إيران وقتال الفرس المجوس بالنيابة عن العرب. فلا أرى ضرورة للحروب وخطابات الكراهية ونحن طرف ضعيف. ثم ما هي المكافأة التي حصلنا عليها بعد هذا التطوع الخطابي والعسكري لقتال إيران والشيعة؟ لم نحصل على شيء سوى دمعة على خد بنات الموصل المشردات، بنات الأنبياء وحفيدات القديسين، حبيبات صلاح الدين الأيوبي. فتيات الموصل فجر الجمال العراقي منذ فجر التاريخ. كان علينا أن نفكر بحلول أخرى غير الكراهية.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر