الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

حنكة الراقصة ومأزق السياسي

أنت وأنا عندما نرقص نتعمد الإثارة، وصدقني إن رقصاتك أخطر، لأنك تتعمد التأثير والتخدير، كأن لسانك يضخ المخدارات على الجمهور.

العرب عدلي صادق [نُشر في 2018/01/21، العدد: 10876، ص(24)]

كثيرة هي الفقرات الجديرة بالاستعادة من قصة “الراقصة والسياسي” لإحسان عبدالقدوس.

كان السياسي يتعفف عن لقاء مشهود في المقهى، بينما الراقصة تُلح في طلب حديث رائق أمام الناس، ويجيب هو من طرف لسانه مترفعا عن النظر إلى وجهها، ويُلح بدوه في طلب اللقاء الخاص. وفي مواجهة عنادها، صارحها بأن جلوس الراقصة من السياسي يشوّه سمعته، بينما هو يحرق دمه من أجل إسعاد الناس، فتستُسفز وتصارحه بأنهما كلاهما يرقصان. هي بجسدها وهو بلسانه، وتزيد قائلة “وأنا أفعل الشيء نفسه، إذ أُسعد الناس وأرتفع بهم فوق متاعبهم وأنعش مخيلاتهم، بينما حضرتك تسعدهم بالوعود”.

وأردفت قائلة “بالمحصلة كلانا يرتفع بهم فوق الواقع المُضني، ولكن الجماهير تثق بالراقصة أكثر مما تثق بالسياسي، لأن الراقصة تقدم ما لا يحتمل الكذب ولا الخديعة والتضليل، وإنما تقدم صورة يُمكن قبولها أو رفضها، أما السياسي فإن وعوده تحتمل الكذب دائما”. استشاط السياسي غضبا، وقال حانقا “والله عال يكفي أن ترقصي ساعة لتقارني نفسك بسياسي مثلي أنا الذي يحرق دمه لكي يخدم الناس”.

فترد من فورها منحازة إلى مهنتها “الرقص ليس مجرد الساعة التي أرقص فيها، فأنا أيضا أحرق نفسي لإعداد الرقصة.. تجديد اللحن، اختيار الثوب وألوانه، تماما مثل السياسي الناجح الذي يقضي أياما في ترتيب أفكاره وإعداد خطابه، والتهيؤ للمناسبة، وتحضير الأنصار، فهو يجتهد في الإعداد لرقصته قبل أن يبدأ الرقص بلسانه”.

انهالت لكمات الراقصة على السياسي، وكان التذكير بأن لعبة الرقص بلسانه تصل به إلى العُري، لأنه سيضطر إلى الكشف طوعا عن بعض حيثياته، وإن لم يفعل فإن خصومه سيتكفلون بكشف كل الحيثيات، عن عائلته وممتلكاته وتصرفاته، أما هي كراقصة، فإن تخصصها لا يفرض عليها أن تظهر عارية، فما تكشف عنه يكفي.

يرد السياسي “إن ما تكشفينه يكفي للإثارة”. فتجيب بحنكة يخترعها إحسان عبدالقدوس للراقصة “ما هي الإثارة؟ إنها إطلاق الأحلام.. أحلام الجنس وأحلام المتعة وأحلام الرخاء وأحلام الحرية.. أنت وأنا عندما نرقص نتعمد الإثارة، وصدقني إن رقصاتك أخطر، لأنك تتعمد التأثير والتخدير، كأن لسانك يضخ المخدارات على الجمهور.. وتتعمد أن يبقى مفعولها إلى أن تلتقي بجمهورك مرة ثانية لكي تسقيه جرعة أخرى. أما أنا المسكينة، فأقدم مجرد رقصة ممتعة تنتهي في دقائق، وأترك بعدها الجمهور حُرا دون أن أسعى للسيطرة عليه.

عدلي صادق

:: مقالات أخرى لـ عدلي صادق

عدلي صادق

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر